أبو طالب

Hَسْبلتْ عَبرةٌ على الوَجَناتِ * قد مَرَتْها عَظيمَةَ الحَسَراتِ

  لـأخٍ سيدٍ نجيبٍ لقَرْمٍ * سيدٍ في الذُّرى منَ السَّاداتِ

  سيدٌ وابنُ سادةٍ أَحْرزوا المجْـ * ـدَ قديما وشَيَّدوا المكْرُماتِ

  جعلَ اللَّهُ مجدَهُ وعُلاهُ * في بَنيهِ نَجابَةً والبَناتِ

  مِن بني هاشمٍ وعبدِ مَنافِ * وقُصَيٍّ أربابِ أهلِ الحياةِ

  حيُّهُم سيِّدُ لـأحياءِ ذا الخَلْـ * ـقِ ومَن ماتَ سَيدُ الـأمواتِ

**********

عينُ إئْذَني ببكاءٍ آخرَ الـأبدِ * ولا تملِّي على قَرْمٍ لنا سَنَدِ

  أشكو الذي بي من الوجدِ الشديدِ لـهُ * وما بقلبي منَ الالام والكَمَدِ

  أضحى أبوهُ لـهُ يَبْكي وأخوتُهُ * بكلِّ دمعٍ على الخدَّينِ مُطَّرِدِ

  لو عاش كانَ لِفِهْرٍ كلِّها عَلما * إذْ كانَ منها مكانَ الرُّوحِ للجسَدِ

**********

أرقتُ ودمعُ العَينِ في العَينِ غائرُ * وجادَتْ بما فيها الشُّؤونُ الـأعاوِرُ

  كأنَّ فِراشي فوقَهُ نارُ مَوقِدٍ * منَ الليلِ أو فوقَ الفراشِ السَّواجِرُ

  على خيرِ حافٍ من قريشٍ وناعلٍ * إذا الخَيرُ يُرجى أو إذا الشَّرُّ حاضِرُ

  ألا إنَّ زادَ الركبِ غيرَ مُدافَعٍ * بسروِ سُحَيمٍ غَيَّبَتْهُ المقابرُ

  بسروِ سُحيمٍ عارفٌ ومُناكِرٌ * وفارسُ غاراتٍ خطيبٌ وياسِرُ

  تَنادَوا بأنْ لا سيِّدَ الحيِّ فيهمِ * وقدَ فُجِعَ الحيَّانِ: كعبٌ وعامرُ

  وكانَ إذا يأتي منَ الشام قافلاً * تقدَّمَه تَسعَى إلينا البشائرُ

  فيصبحُ أهلُ اللّهِ بيضا كأنَّما * كسَتْهُم حَبيرا رَيْدةٌ ومَعافِرُ

  تَرى دارةً لا يبرحُ الدَّهرَ عندَها * مُجَعْجِعَةً كومٌ سِمانٌ وباقرُ

  إذا أكلتْ يوما أتَى الغدَ مثلَها * زواهقُ زُهْمٌ أو مَخاضٌ بَهازِرُ

  ضَروبٌ بنصلِ السَّيفِ سُوقَ سِمانِها * إذا عَدِموا زادا فإنَّك عاقرُ

  فإنْ لا يكُنْ لحمٌ غَريضٌ فإنَّهُ * تُكبُّ على أفواهِهنَّ الغرائرُ

  فيا لك من ناعٍ حُبيتَ بأَلَّةٍ * شِراعيةٍ تَصْفرُّ منها الـأظافرُ

**********

فقَدْنا عَميدَ الحيِّ فالرُّكنُ خاشِعٌ * لفقدِ أبي عُثمانَ والبيتُ والحِجْرُ

  وكانَ هشامُ بنُ المغيرةِ عِصمَةً * إذا عركَ النَّاسَ المخاوِفُ والفَقْرُ

  بأبياتهِ كانتْ أراملُ قَومهِ * تلوذُ وأيتامُ العشيرةِ والسَّفْرُ

  فودَّتْ قُريشٌ لو فَدتْهُ بشطرِها * وقَلَّ لَعَمري لو فَدَوْه لـهُ الشَّطْرُ

  نقولُ لعمرٍو: أنتَ منهُ وإنَّنا * لنرجوك في جِلِّ المهِمَّات يا عَمْرُو

**********

إلا إنَّ خيرَ الناسِ حيّا وميِّتا * بِوادي أشِيٍّ غيَّبَتْهُ المقابِرُ

  تُبكِّي أباها أمُّ وهبٍ وقد نأى * ورَيْشانُ أضحى دونَه ويُحابِرُ

  تَولَّوا ولا أبو أميَّةَ فِيهُمو * لقد بلغتْ كَظَّ النُّفوسِ الحَناجرُ

  ترى دارَهُ لا يبرحُ الدَّهر وسْطَها * مُجَعْجِعةٌ أدْمٌ سِمانٌ وباقِرُ

  ضَروبٌ بِنصْلِ السَّيفِ سُوقَ سِمانِها * إذا أرملوا زادا فإنَّك عاقرُ

  وإنْ لم يكُنْ لحمٌ غَريضٌ فإنَّهُ * تُمرَّى لـهُمْ أخلافُهُنَّ الدَّرائرُ

  فيصبِحُ آلُ اللَّهِ بِيضا كأنَّما * كسَتْهُمْ حَبيرا رَيْدةٌ ومُعافرُ

**********

أبكى العيونَ وأذرى دمعها دِرراً * مُصابُ ششَبيةَ بيتِ الدينِ والكرَمِ

  كان الشجاعَ الجوادَ الفردَ سُؤددُه * لـهُ فضائلُ تعلو سادةَ الـأممِ

  مضى أبو الحَرِثَ المأمولُ نائلـهُ * والمُنْتَشَى صَولـهُ في الناسِ والنَّعم

  هو الرئيس الذي لا خَلقَ يَقدُمُهُ * غَداةَ يَحْمي عن الـأبطالِ

  بالعَلمِ  العامرُ البيتَ بيتَ اللـهِ بملؤهُ * نُوراً فيجلو كُسوفَ القَحْط والظُّلمِ

  ربُّ الفراشِ يصَحْنِ البيتَ تكرمةً * بذاك فُضِّلَ أهلُ الفخرِ والقِدَمِ

  بكتْ قُريشُ أباهَا كلَّها وعلى * إمامها وحِماها الثابتِ الدِّعمِ

  صَفِيُّ بكِّي وجودي بالدُّموع لـهُ * وأسْعِدي يا أميمُ اليوم بالسِّجَمِ

  يُجبكَ نِسوةُ رَهْطٍ من بني أسَدٍ * والغُرِّ زهرةَ بعد العُربِ والعَجَمِ

  ألم يكُنْ زينَ أهلِ الـأرضِ كلِّهمِ * وعصْمَةَ الخلقِ من عادٍ ومن أرِمِ

**********

أمية بن أبي الصلت

ألاَّ بكيت على الكرا * م بني الكرام أُولي الممادحْ

  كبكا الحمام على فرو * ع الـأيك في الغُصُنِ الصوادحْ

  يبكين حَزْني مستكيـ * ـناتٍ يرحن مع الروائح

  أمثالـهن الباكيا * ت المعولات من النوائح

  من يبكهم يبكِ على * حُزنٍ ويصدق كلُّ مادح

  كم بين بدرٍ والعقنـ * ـقل من مرازبةٍ جحاجح

  فمدافع البرْقَيْنِ فالـ * ـحنَّانِ من طرف الـأواشح

  شُمْطٍ وشبانٍ بهاليلٍ * مغاويرٍ وحاوح

  أو لا ترون كما أرى * وقد استبان لكل لامْح

  أن قد تغيَّر بطنُ مكة * َ  فهي موحشةُ الـأباطح

  من كل بطريقٍ لبـ * ـطريقٍ نقيّ الوجه واضحْ

  دعموص أبواب الملوك * وجائبٍ للخرق فاتحْ

  ومن السراطمة الجلا * حمة الملاوثة المناجح

  القائلين الآمريـ * ـن الفاعلين لكلِّ صالح

  المطعمين الشحم فـ * ـوق الخبز شحماً كالـأنافحْ

  نُقُلِ الجفان معَ الجفا * ن إلى جفانٍ كالمناضحْ

**********

عينُ بكّى بالمُسبلات أباالحا * رث لا تذخري على زَمَعَةْ

  وعقيلَ بن أسودٍ  البأس ليوم * الـهياج والدفعة

  فعلى مثلِ هُلْكِهم خوتِ الجو * زاءُ لا خانةٌ ولا خَدعَهْ

  همُ الـأُسرة الوسيطةُ من كعـ * ـبٍ وفيهم كذورة القَمَعَةْ

  انبتوا من معاشرٍ شعرَ الرأ * سِ وهم ألحقوهمُ المَنعهْ

  فبنوا عمهم إذا حضر البأ * س عليهم اكبادهم وَجِعَهْ

  وهم المطمعون إذا أقحط القطـ * ـر وحالت فلا ترى قَزَعه

**********

فلو قتلوا بحرب الف الفٍ * من الجنَّانِ والإنس الكرام

  رأيناهم لـه ذَحْلاً وقلنا * أرونا مثل حَرْبٍ في الـأنامِ

**********

أوس بن حجر

ألم تُكسَفِ الشمسُ وَالبدْرُ وَالْـ * ـكَوَاكِبُ للْجَبَلِ الْوَاجِبِ

  لِفَقْدِ فَضَالَةَ لا تَسْتَوي الْـ * ـفُقُودُ ولا خَلّةُ الذّاهِبِ

  ألَهْفاً على حُسْنِ أخْلاقِهِ * عَلى الجَابِرِ العَظْمِ وَالحارِبِ

  عَلى الـأرْوَعِ السَّقْبِ لَوْ أنّهُ * يقومُ عَلى ذِرْوَةِ الصّاقِبِ

  لـأَصْبَحَ رَتْماً دُقاقَ الحَصَى * كَمَتْنِ النبيّ منَ الكَاثِبِ

  وَرَقْبَتِهِ حَتَمَاتِ المُلُو ك * ِ بَيْنَ السُّرَادِقِ وَالحاجِبِ

  وَيَكْفي المَقَالَةَ أهْلَ الرّجَا * لِ غَيْرَ مَعِيبٍ ولا عَائِبِ

  وَيَحْبو الخَلِيلَ بِخيرِ الحِبَا * ءِ غَيْرَ مُكِبٍّ وَلا قَاطِبِ

  بِرَأسِ النَّجِيبَةِ والعَبْدِ والْـ * ـوَلِيدَةِ كَالجُؤذُرِ الكَاعِبِ

  وبالـأُدْمِ تُحْدَى عليها الرِّحا * لُ وبِالشَّولِ في الفَلَقِ العاشِبِ

  فَمَنْ يكُ ذا نائلٍ يَسْعَ مِنْ * فَضَالَةَ في أثَرٍ لاحِبِ

  هُوَ الوَاهِبُ العِلْقَ عَيْنَ النّفِيـ * سِ والمُتَعَلّي على الوَاهِبِ

  نَجيحٌ مَليحٌ أخو مَأقِطٍ * نِقابٌ يُحَدِّثُ بالْغائِبِ

  فَأبْرَحْتَ في كلّ خَيْرٍ فَمَا * يُعَاشِرُ سَعْيَكَ مِنْ طالِبِ

**********

وَفَدَتْ أُمّي وَمَا قَدْ وَلَدَتْ * غَيْرَ مَفْقُودٍ فَضَالَ بنَ كَلَدْ

  يَحْمِلُ الوِرْدَ عَلى أدْبارِهِمْ * كُلّما أدْرَكَ بالسَّيْفِ جَلَدْ

**********

يا عينُ جودي على عمرو بنِ مسعودِ * أهلِ العَفافِ وأهلِ الحزْمِ والجودِ

  أوْدى رَبيعُ الصَّعاليكِ الـألى انتَجعوا * وكلّ ما فَوْقَها من صالحٍ مُودي

  المطعمُ الحيَّ والـأمْوَاتَ إن نَزَلوا * شحمَ السَّنامِ من الكومِ المَقاحيدِ

  والواهِبُ المائةَ المِعْكاءَ يَشْفَعُهَا * يوْمَ النّضالِ بِأُخْرى غيرَ مجْهودِ

  إنّ مِنَ القَوْمِ مَوْجوداً خَلِيفتُهُ * وما خليفُ أبي وَهْبٍ بِمَوْجودِ

**********

أيّتُهَا النّفْسُ أجْمِلي جَزَعَا * إنّ الّذي تَحْذَرينَ قد وَقَعَا

  إنّ الّذي جَمّعَ السّماحَةَ والنّـ * ـجْدَةَ والحَزْمَ والقُوَى جُمَعَا

  الـألْمَعِيَّ الّذي يَظُنُّ لكَ الظَّـ * ـنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعا

  والمُخلِفَ المُتلِفَ المُرَزّأَ لمْ * يُمْتَعْ بِضَعْفٍ ولمْ يمُتْ طَبَعَا

  والحافِظَ النّاسَ في تَحوطَ إذا * لم يُرْسِلوا تَحْتَ عائِذٍ رُبَعَا

  وازْدَحَمتْ حَلْقَتَا البِطَانِ بِأقْـ * وَامٍ وَطارَتْ نُفُوسُهُمْ جَزَعَا

  وَعَزّتِ الشّمْأَلُ الرِّياحَ وَقَدْ * أمْسَى كَمِيعُ الفَتاةِ مُلْتَفِعَا

  وشُبِّهَ الـهَيْدَبُ العَبَامُ من الْـ * أقْوَامِ سَقْباً مُلَبَّساً فَرَعا

  وَكَانَتِ الكَاعِبُ المُمَنَّعَةُ الْـ * حَسْناءُ في زَادِ أهْلِها سَبُعَا

  أوْدَى وهل تَنْفَعُ الإشاحةُ مِنْ * شَيْءٍ لمَنْ قدْ يُحاوِلُ البِدَعَا

  لِيَبْكِكَ الشَّرْبُ والمُدَامَةُ وَالْـ * ـفِتْيانُ طُرَّاً وطَامِعٌ طَمِعَا

  وَذَاتُ هِدْمٍ عَارٍ نَوَاشِرُهَا * تُصْمِتُ بالمَاءِ تَوْلَباً جَدِعَا

  والحَيُّ إذْ حاذَرُوا الصَّباحَ وَقَدْ * خافوا مُغيراً وسائِراً تَلِعا

**********

عيْنيّ لا بدّ منْ سَكْبٍ وَتَهْمالِ * عَلى فَضَالةَ جَلِّ الرّزْءِ وَالْعالي

  جُمّا عَلَيْهِ بَماءِ الشّأنِ وَاحْتَفِلا * لَيسَ الفُقودُ وَلا الـهلْكى بِأمْثالِ

  أمّا حَصَانُ فلم تُحجَبْ بِكِلّتها * قدْ طُفتُ في كلّ هذا الناسِ أحوالي

  على امرِىءٍ سُوقةٍ ممّنْ سمعتُ بهِ * أنْدى وأكملَ مِنْهُ أيَّ إكْمالِ

  أوْهَبَ مِنْهُ لِذي أثْرٍ وَسَابِغَةٍ * وَقَيْنَةٍ عنْدَ شَرْبٍ ذاتِ أشْكالِ

  وَخارِجيٍّ يَزُمُّ الـألْفَ مُعْتَرِضاً * وَهَوْنةٍ ذاتِ شِمْرَاخٍ وَأحجَالِ

  أبا دُلَيجَةَ مَن يوصَى بِأرْمَلَةٍ * أم مَن لـأشعَثَ ذي طِمرَين طِملالِ

  أم مَن يكون خطيبَ القوْم إن حفَلوا * لَدى مُلوكٍ أُولي كيْدٍ وَأقْوالِ

  أم مَن لقوْمٍ أضَاعوا بعض أمرِهمِ * بَينَ القُسوطِ وَبينَ الدِّينِ دَلْدَالِ

  خافوا الـأصِيلةَ وَاعْتَلّتْ مُلوكُهُمُ * وَحُمّلوا من أذى غُرْمٍ بِأثْقالِ

  فرّجتَ غمَّهُمُ وَكنتَ غَيثَهُمُ * حتى استقرّتْ نَوَاهُمْ بَعْدَ تَزْوَالِ

  أبا دُلَيْجَةَ مَنْ يكفي العشيرَةَ إذْ * أمْسَوْا من الـأمرِ في لَبْسٍ وَبَلبالِ

  أم مَن لـأهْلِ لَوِيٍّ في مُسَكَّعَةٍ * في أمرِهِمْ خالَطوا حَقّاً بِإبْطالِ

  أمْ مَنْ لِعاديَةٍ تُرْدي مُلَمْلَمَةٍ * كأنّها عَارِضٌ مِنْ هضْبِ أوْعالِ

  لمّا رَأوْكَ عَلى نَهْدٍ مَرَاكِلُهُ * يَسْعى بِبَزِّ كمِيٍّ غيرِ مِعْزَالِ

  وَفَارِسٍ لا يَحُلُّ الحَيُّ عُدْوَتَهُ * وَلَّوْا سِرَاعاً وَما هَمّوا بإقْبالِ

**********

الحطيئة

تَأَمَّلْ فإنْ كان البُكا رَدَّ هَالِكاً * عَلَى أَهْلِهِ فاجْهَدْ بُكَاكَ على عَمْرِ

  و لا تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ * عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ وآلُ أَبي بكرِ

**********

الخرنق بنت بدر ابن هفان

عَدَدْنالـهُ خَمْسا وعشرين حجَّةً * فلمَّا توفَّاها استوى سيداً ضخماً

  فُجِعْنا به لما انتظرْنا إيابهُ * على خَيْرِ حين لاوَليداً ولاقحماَ

أعاذلتي على رُزْء أفيقِي * فقد أشرفتني بِالعَذلِ ريقي

  ألا أقسْمتُ آسى بعد بِشرٍ * على حَيٍّ يُموتُ ولا صديق

  وبعد الخير علقمة بن بشْرٍ * إِذا نَزَت النفوس الى الحُلُوقِ

  وبَعْدَ بني ضُبيعة حَوْلَ بِشرٍ * كما مَالَ الجذوعُ من الحريقِ

  مَنَتْ لـهمُ بوالبة المنايا * بجنبِ قُلابِ للحين الَمُسوقِ

  فكَم بِقُلاب مِنْ أوصالِ خرقٍ * أخي ثقةٍ وجُمْجُمةٍ فَلِيقِ

  ندامَى للمُلُوك إِذا لَقُوهُمْ  حُبُوا * وسقوا بِكأسِهمُ الرحيق

  هم جَدَعُوا الـأُنوفَ وأوعَبُوها * فما يْنَساغ لي منْ بعدُ ريقي

  وبيضٍ قد قَعَدْنَ وكُلُ كُحْلٍ * بأعيُنهنّ أصبح لا يليقُ

  أضاع بضوعَهن مُصابُ بشرٍ * وطعنة فاتِكٍ فمتى تَفِيق!

**********

لايبعدنْ قوْمي الذين هُمُ * سُمُّ العَداةِ وآفةُ الجُزرِ

  النازلون بكُلّ مُعْتركٍ * والطيبين معاقد الـأزرِ

  الضّارِبون بحَوْمةٍ نُزِلَتْ * والطَّاعِنُونَ بأذْرُعٍ شُعرِ

  والخالطونَ نَحيتُهُمْ بِنُضَارِهِم * وذوي الغَني مِنهُم بِذي الفَقرِ

  إنْ يشْرَبُوا يَهَبُوا وإن يَذَرُوا * يَتَواعَظُوا عَنْ مَنْطِقِ الـهُجْرِ

  قَومٌ اذا رَكِبُوا سَمِعْتَ لَهم * لَغَطاً من التَّأْيِيْهِ والزّجر

  من غيْرِ ما فُحْشٍ يَكُونُ بِهم * في مَنْتَجِ المُهُراتِ والمُهْرِ

  وتَفَاخَروا في غير مِجْهَلَةٍ * في مربط المُهُراتِ والمُهْرِ

  هذا ثَنَائِي ما بَقِيتُ لَهمُ * فإذا هَلَكْتُ أجَنَّني قَبْرِي

  لاقَوْا غَدَاة قُلابَ حتفهمُ * سَوْقَ العَتِيرِ يُساق لِلعَتر

**********

يارُبَّ غَيْث قَدْ قَرَى عَازِبٍ * أجَشَّ أحْوَى في جُمَادَى مَطِير

  قاد به أجرَدَ ذا مَيْعَةٍ * عبلاً شَواهُ غير كاب عَثُور

  فَألَبْسَ الوَحْشَ بحافاتهِ * والْتَقَط الْبَيْض بِجَنْبِ السَّدِير

  ذاك وقِدما يُعجل البازِل الـ * ـكوماء بِالموتِ كشِبه الحصِير

  يَبْغِي عَلَيْها الْقَوْمَ إذ أرْمَلُوا * وسَاءَ ظَنُّ اليَلْمعِيِّ القَرُور

  آب وقَدْ غَنَّم أصْحَابَهُ  يَلْوِي * على أصْحابه بالبَشِير

**********

لَقَدْ عَلِمَتْ جَديلَةُ أن بِشْرا * غَدَاةَ مُربِّحٍ مُرُّ التقَاضي

  غَدَاةَ أتاهُمُ بالْخَيْل شُعْثا * يَدُّق نُسُورَهاحدّ القِضَاضِ

  عَلَيْهَا كُلُّ أصْيدَ تَغْلبيّ * كريم مُركَّبِ الحَدَّيْن ماض

  بأيْديهمْ صَوارِمُ مُرْهفاتٌ * جَلاَهَا القَيْن خَالصَةُ البَيَاض

  وكل مُثَقف بالكف لَدْنٍ * وسابغةٍ مِن الحلَقَ المُفَاض

  فغادَر مَعْقِلاً وأخاه حِصْنًا * عَفِيرَ الوَجْه لَيْس بِذي انْتهاضِ

**********

ألاَ هَلَكَ المُلوكُ وعَبْدُ عَمْرو * و خُلّيَتِ العِرَاق لمن بَغَاهَا

  فَكَمْ مِنْ والدٍ لَكَ يابنَ بِشْرٍ * تَأَزَّرَ بالمكَارِم وارْتَدَاهَا

  بَنىَ لَكَ مَرْثَد وأُبوك بِشْرٌ * عَلى الشم البَواذِخِ مِنْ ذُراهَا

**********

الخنساء

يا عَينِ ما لَكِ لا تَبكينَ تَسكابا * إذ رابَ دَهرٌ وكانَ الدّهرُ رَيّابا

  فابْكي أخاكِ لـأيْتامٍ وأرْمَلَةٍ * وابكي أخاكِ إذا جاوَرْتِ أجنابا

  وابكي أخاكِ لخيلٍ كالقَطا عُصَباً * فَقَدْنَ لمّا ثَوَى سَيْباً وأنهابا

  يَعْدو به سابحٌ  نَهْدٌ مَراكِلُهُ * مُجَلْبَبٌ بسَوادِ اللّيلِ جِلبابا

  حتى يُصَبّحَ أقواماً  يُحارِبُهُمْ * أوْ يُسْلَبوا  دونَ صَفّ القوم  أسلابا

  هو الفتى الكامِلُ الحامي حَقيقَتَهُ * مأوى الضّريك  إذا ما جاءَ مُنتابا

  يَهدي الرّعيلَ إذا ضاقَ السّبيلُ بهم * نَهدَ التّليلِ لصَعْبِ الـأمرِ رَكّابا

  المَجْدُ حُلّتُهُ  وَالجُودُ عِلّتُهُ * والصّدْقُ حَوْزَتُهُ إنْ قِرْنُهُ هابا

  خَطّابُ مَحْفِلَةٍ  فرّاجُ مَظلمةٍ * إنْ هابَ مُعضِلَةً سَنّى لـها بابا

  حَمّالُ ألويَةٍ  قَطّاعُ أوديَةٍ * شَهّادُ أنجيَةِ  للوِتْرِ طَلاّبا

  سُمّ العُداةِ  وفكّاكُ العُناةِ  إذا * لاقى الوَغَى لم يكُنْ للمَوْتِ هَيّابا

**********

يا عَينِ جُودي بالدّموع * المُسْتَهِلاّتِ السّوَافِحْ  فَيْضاً

  كما فاضَتْ غُرُوبُ * المُتْرَعاتِ مِنَ النّوَاضِحْ

  وابْكي لِصَخْرٍ إذْ ثَوَى * بَينَ الضّريحَةِ والصّفائِحْ

  رَمْساً لدَى جَدَثٍ تُذيعُ * بِتُرْبِهِ هُوجُ النّوافِحْ

  السّيّدُ الجِّحْجاحُ وابنُ * السّادَةِ الشُّمّ الجَحاجِحْ

  الحامِلُ الثّقَلَ المُهمّ * مِنَ المُلِمّاتِ الفَوادحْ

  الجابِرُ العَظْمَ الكَسيرَ * مِنَ المُهاصِرِ والمُمَانحْ

  الواهِبُ المِئَةِ الـهِجَانِ * مِنَ الخَناذيذِ السّوابِحْ

  الغافِرُ الذّنْبِ العَظيمِ * لِذي القَرابَةِ والمُمالِحْ

  بِتَعَمّدٍ مِنْهُ وَحِلْمٍ * حِينَ يَبغي الحِلْمَ رَاجحْ

  ذاكَ الّذي كُنّا بِهِ  نَشْفي * المِراضَ من الجَوَانحْ

  وَيَرُدّ بادِرَةَ العَدوّ * ونَخْوَةَ الشَّنِفِ المُكاشحْ

  فأصابَنَا رَيْبُ الزّمَانِ * فَنالَنا مِنْهُ بِنَاطِحْ

  فَكَأنّما أَمَّ الزّمانُ * نُحُورَنا بمُدَى الذّبائِحْ

  فَنِساؤنا يَنْدُبْنَ نَوْحاً * بَعْدَ هادِيَةِ النّوَائِحْ

  يَحْنُنّ بَعدَ كَرَى العُيونِ * حَنينَ والـهَةٍ قَوَامِحْ

  شَعِثَتْ شواحِبَ لا يَنينَ * إذا وَنَى لَيْلُ النّوائِحْ

  يَنْدُبْنَ فَقْدَ أخي النّدى * والخَيرِ والشِّيَمِ الصّوالِحْ

  والجُودِ والـأيْدي الطّوالِ * المُسْتَفيضاتِ السّوامِحْ

  فالآنَ نحنُ ومَنْ سِوَانا * مِثْلُ أسْنانِ القَوارِحْ

**********

لا تَخَلْ أنّني لقيتُ رواحا * بَعْدَ صَخْرٍ حتى أثَبْنَ نُوَاحَا

  من ضَميري بلَوْعَةِ الحُزْنِ حتى * نَكَأ الحُزْنُ في فُؤادي فِقاحا

  لا تخَلْني أنّي نَستُ ولا بُلّ * فُؤادي ولوْ شَرِبْتُ القَراحا

  ذِكْرَ صَخْرٍ إذا ذَكَرْتُ نَداهُ * عِيلَ صَبري برُزْئِهِ ثمّ باحا

  إنّ في الصّدْرِ أرْبَعاً يَتَجاوَبْنَ * حَنيناً حتى كَسَرْنَ الجَناحا

  دَقّ عَظْمي وهاضَ مني جَناحي * هُلْكُ صَخْرٍ فَما أُطِيقُ براحا

  مَن لِضَيْفٍ يحلّ بالحيّ عانٍ * بَعْدَ صَخْرٍ إذا دَعاهُ صُياحا

  وعَلَيْهِ أرامِلُ الحيّ والسَّفْرُ * وَمُعْتَرُّهُمْ بهِ قدْ ألاحا

  وعطايا يهزّها بسماحٍ * وطِماحٍ لمن أرادَ طِماحا

  ظَفِرٌ بالـأمورِ جَلْدٌ نَجيبٌ * وإذا ما سَما لحَرْبٍ أباحا

  وبحِلْمٍ إذا الجَهُولُ اعْتَراهُ * يردَعُ الجَهْلَ بعدَما قد أشاحا

  إنّني قدْ علمتُ وجدَكَ بالحَمْدِ * وإطْلاقَكَ العُناةَ سَمَاحا

  فارسٌ يضربُ الكتيبَةَ بالسيفِ *  إذا أرْدَفَ العَوِيلُ الصُّياحا

  يُقبلُ الطّعْنَ للنّحورِ بشَزْرٍ * حينَ يَسْمُو حتى يُلِينَ الجراحا

  مُقْبِلاتٌ حتى يُوَلّينَ عَنهُ * مدْبراتٌ وما يُردنَ كفاحا

  كم طَريدٍ قد سكّنَ الجأشَ منهُ * كان يَدْعُو بصفّهنّ صُراحا

  فارِسُ الحَرْبِ والمُعَمَّمُ فيها * مِدْرَهُ الحربِ حينَ يلْقى نِطاحا

**********

جرَى ليَ طيرٌ في حِمامٍ حذِرْتُهُ * عليكَ ابن عَمرٍو من سنيحٍ وبارحِ

  فلم يُنْجِ صخراً ما حذِرْتُ وغالَهُ * مواقعُ غادٍ للمنونِ ورائحِ

  رَهينةُ رَمْسٍ قد تَجرّ ذُيولـها * علَيهِ سوافي الرّامساتِ البَوارحِ

  فيا عينِ بكّي لـأمرىءٍ طارَ ذكره * لـه تبكِ عينُ الراكضاتِ السّوابحِ

  وكلُّ طَويلِ المتنِ أسمرَ ذابِلٍ * وكلُّ عَتيقٍ في جيادِ الصّفائحِ

  وكُلّ دِلاصٍ كالـأضاةِ مُذالَةً * وكلّ جوادٍ بيّنِ العِتْقِ قارحِ

  وكلّ ذَمُولٍ كالفَنيقِ شِمِلّةٍ * وكلّ سريعٍ آخرَ اللّيلِ آزِحِ

  وللجارِ يوماً إنْ دَعا لمَضيفَةٍ * دَعا مُسْتَغيثاً أوّلاً بالجوايِحِ

  أخو الحَزْمِ في الـهَيجاءِ والعزْمِ * في التي  لوَقْعَتِها يَسْوَدّ بِيضُ المسايحِ

  حسيبٌ لَبيبٌ مُتلِفٌ ما أفادَهُ * مُبيحُ تِلادِ المُسْتَغشّ المكاشِحِ

**********

أعينيّ جودا ولا تجمُدا * ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى

  ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ * ألا تبكيانِ الفَتى السيّدا

  طويلَ النّجادِ رَفيعَ العِمادِ * سادَ عَشيرَتَهُ أمْرَدا

  إذا القوْمُ مَدّوا بأيديهِمِ * إلى المَجدِ مدّ إلَيهِ يَدا

  فنالَ الذي فوْقَ أيديهِمِ * من المجدِ ثمّ مضَى مُصْعِدا

  يُكَلّفُهُ القَوْمُ ما عالـهُمْ * وإنْ كانَ أصغرَهم موْلِدا

  ترَى المجدَ يهوي إلى بَيْتِهِ * يرَى أفضَلَ الكسبِ أنْ يُحمدا

  وإنْ ذُكرَ المجدُ ألْفَيتَهُ  تَأزّرَ * بالمَجدِ ثمّ ارْتَدَى

**********

بكَتْ عيني وعاوَدَتِ السُّهودا * وبتُّ اللّيلَ جانحَةً عَميدا

  لِذِكْرَى مَعْشَرٍ ولَّوا وخَلَّوا * عَلينا من خِلافتِهمْ فُقودا

  ووافَوا ظِمْءَ خامسةٍ فأمْسوا * معَ الماضِينَ قد تَبعوا ثَمودا

  فكم منْ فارِسٍ لكِ أُمّ عَمْرٍو * يَحوطُ سِنانُهُ الـأنَسَ الحريدا

  كصَخْرٍ أو مُعاويَةَ بنِ عَمْرٍو * إذا كانتْ وُجوهُ القومِ سُودا

  يَرُدّ الخَيلَ دامِيَةً كُلاها * جديرٌ يَوْمَ هَيْجا أنْ يَصيدا

  يكُبّونَ العِشارَ لمن أتاهُمْ * إذا لم تُحْسِبِ المِئَةُ الوَليدا

**********

أبكي لصَخرٍ إذا ناحَتْ مُطَوَّقَةٌ * حمامةٌ شَجوَها وَرْقاءُ بالوادي

  إذا تَلـأّمَ في زَغْفٍ مضاعَفَةٍ * وصارِمٍ مثلِ لَوْنِ المِلْحِ جرّادِ

  ونَبْعَةٍ ذاتِ إرْنانٍ ووَلْوَلَةٍ * ومارِنِ العودِ لا كزٍّ ولا عادِ

  سَمْحُ الخليقةِ لا نِكْسٌ وَلا غُمُرٌ * بل باسِلٌ مثلُ ليثِ الغابةِ العادي

  من أُسد بيشَةَ يحمي الخِلَّ ذي لِبَدٍ * من أهْلِهِ الحاضرِ الـأدنَينَ والبادي

  والمشْبِعُ القومِ إنْ هَبَّتْ مُصرْصرَةٌ * نَكْباءُ مُغْبَرّةٌ هَبَّتْ بصُرّادِ

**********

يا عَينِ جودي بالدّموعِ * فقَدْ جَفَتْ عنكِ المَراوِدْ

  وابْكي لصَخْرٍ إنّهُ * شَقّ الفُؤادَ لِما يُكابِدْ

  المُسْتَضافِ مِنَ السّنينَ * إذا قَسَا منها المَحارِدْ

  حينَ الرّياحُ بَلائِلٌ  نُكْبٌ * هَوائِجُها صَوارِدْ

  يَنْفينَ عَنْ لِيطِ السّماءِ * ظَلائِلاً والماءُ جامِدْ

  مِزَقاً تُطَرّدُها الرّياحُ * كَأنّها خِرَقٌ طَرائِدْ

  والمالُ عندَ ذَوي البَقيّةِ * والغِنى خُذُمٌ شَرَائِدْ

  فيفُكّ كُرْبةَ مَن تَمَخّخَ * نِقْيَةَ الدّوَلِ الجهائِدْ

  حتى يَؤوبَ بِما يَؤوبُ * كثيرَ فَضْلِ العُرْفِ حامدْ

  ونَداكَ مُحْتَضَرٌ ونورُكَ * في دُجَى الظَّلماءِ واقِدْ

  لو تُرْسَلُ الإبْلُ الظِّماءُ * يَسُمْنَ لَيسَ لـهُنّ قائِدْ

  لَتَيَمّمَتْكَ يَدُلّهَا  جَدْواك * َ والسُّبُلُ المَوارِدْ

  والنّاسُ سابِلَةٌ إلَيْكَ * فصَادِرٌ بغِنًى ووارِدْ

  يَغْشَوْنَ منكَ غُطامِطاً * جاشَتْ بوابِلِهِ الرّواعِدْ

  يا ابنَ القُرُوم ذوي الحِجى * وابنَ الخضارِمَةِ المَرافِدْ

  وابنَ المَهائِرِ للمَهائِرِ * زانَها الشّيَمُ المَواجِدْ

  وحُماةِ مَنْ يُدْعَى إذا * ما طارَ عندَ المَوْتِ عارِدْ

  ومَعَاصِمٍ للـهالِكينَ * وساسَةٍ قِدَماً مَحاشِدْ

**********

أهاجَ لكِ الدّموعَ على ابنِ عمرٍو * مصائبُ قد رُزِئْتِ بها فجُودي

  بسَجْلٍ مِنْكِ مُنحَدِرٍ عَلَيْهِ * فما يَنفَكّ مثلَ عَدا الفَريدِ

  على فَرْعٍ رُزِئْتِ بهِ خُناسٌ * طَويلِ الباعِ فيّاضٍ حَميدِ

  جَليدٍ كانَ خَيرَ بَني سُلَيْمٍ * كَرِيمِهِمِ المُسَوَّدِ والمَسودِ

  أبو حَسّانَ كانَ ثِمالَ قَوْمي * فأصْبَحَ ثاوياً بَينَ اللّحُودِ

  رَهينُ بِلًى وكلُّ فَتًى سيَبْلى * فأذْري الدّمعَ بالسَّكْبِ المَجودِ

  فأقسمُ لو بقيتَ لكُنْتَ فينا * عَديداً لا يُكاثَرُ بالعَديدِ

  ولكِنّ الحَوادِثَ طارِقاتٌ * لَها صَرْفٌ على الرَّجلِ الجَليدِ

  فإنْ تَكُ قد أتَتْكَ فلا تُنادي * فقَدْ أوْدَتْ بفَيّاضٍ مَجيدِ

  جَليدٍ حازِمٍ قِدَماً أتاهُ * صُرُوفُ الدّهْرِ بَعدَ بَني ثَمودِ

  وَعاداً قَدْ عَلاها الدّهْرُ قَسْراً * وحِمْيَرَ والجُنُودَ معَ الجُنُودِ

  فلا يَبْعَدْ أبو حَسّانَ صَخْرٌ * وحَلّ برَمْسِهِ طَيرُ السّعودِ

**********

عَينيّ جُودا بدَمْعٍ منكما جُودا * جُودا ولا تَعِدا في اليَوْمِ مَوْعودَا

  هَلْ تَدْرِيانِ على مَنْ ذا سَبَلْتُكما * على ابنِ أُمّي أبيتُ الليلَ مَعمودا

  دارَتْ بنا الـأرضُ أوْ كادتْ تدورُ بنا * يا لـهفَ نَفسي فقد لاقَيتُ صِنْديدا

  يا عينُ فابْكي فتًى مَحْضاً ضرَائِبُهُ * صَعْباً مَراقِبُهُ سَهْلاً إذا رِيدا

  لا يأخذُ الخسْفَ في قوْم فيغضِبَهمْ * ولا تَراهُ إذا ما قامَ مَحْدودا

  ولا يَقُوم إلى ابنِ العَمّ يَشْتِمُه * ولا يَدِبّ إلى الجاراتِ تخويدا

  كَأنّما خَلَقَ الرّحْمانُ صُورَتَهُ * دينَارَ عَينٍ يراهُ الناسُ مَنقودا

  إذهَبْ حَريباً جَزاكَ اللَّهُ جَنّتَهُ * عَنّا وُخُلّدْتَ في الفِرْدَوْسِ تخليدا

  قد عِشْتَ فينا ولا تُرْمى بفاحِشَةٍ * حتى توَفّاكَ ربُّ الناسِ محْمودا

**********

ضاقَتْ بيَ الـأرْضُ وانقَضّتْ مخارِمُها * حتى تَخاشَعَتِ الـأعلامُ والبِيدُ

  وقائِلينَ تَعَزّيْ عن تَذَكّرِهِ * فالصّبْرَ! لَيسَ لـأمْرِ اللَّهِ مَرْدودُ

  يا صَخْرُ قد كُنتَ بَدراً يُستَضاءُ به * فقدْ ثَوَى يومَ مُتَّ المجدُ والجودُ

  فاليوْمَ أمسَيتَ لا يَرْجوكَ ذو أمَلٍ * لمّا هَلَكْتَ وحوْضُ الموتِ مورودُ

  ورُبّ ثَغْرٍ مَهولٍ خُضتَ غَمْرَتَهُ * بالمُقْرَباتِ علَيها الفِتْيَةُ الصِّيدُ

  نَصَبْتَ للقَوْمِ فيهِ فَصْلَ أعيُنِهِمْ * مِثلَ الشّهابِ وَهَى مِنهُمْ عَباديدُ

**********

يا ابنَ الشّريد على تَنائي بَيْنِنا * حُيّيتَ غَيرَ مُقَبَّحٍ مِكبابِ

  فكِهٌ على خَيرِ الغِذاء إذا غَدَتْ * شَهْباءُ تَقْطَعُ بالِيَ الـأطْنابِ

  أرِجُ العِطافِ مُهفهفٌ نِعمَ الفتى * مُتَسَهِّلٌ في الـأهْلِ والـأجْنابِ

  حامي الحَقيقِ تَخالُهُ عندَ الوَغَى * أسداً ببِيشَةَ كاشِرَ الـأنْيابِ

  أسداً تَناذرهُ الرّفاقُ ضُبارِماً * شَثْنَ البَراثِنِ لاحِقَ الـأقرابِ

  فَلَئِنْ هَلَكْتَ لقد غَنيتَ سَمَيذَعاً * مَحْضَ الضّريبَةِ طَيّبَ الـأثوابِ

  ضَخْمَ الدّسيعةِ بالنّدى مُتَدَفّقاً * مَأوَى اليَتيمِ وغايَةَ المُنْتابِ

**********

يا ابنَ الشّريدِ وخيرَ قيسٍ كلّها * خَلّفْتني في حَسْرَةٍ وَتَبَلّدِ

  فلـأبْكِيَنّكَ ما سمعتُ حمامَةً * تَدْعو هَديلاً في فروعِ الفَرْقَدِ

  أنْتَ المُهَنّدُ مِنْ سُلَيمٍ في العُلى * والفَرْعُ لم يسبِ الكِرامَ بمشهَدِ

  قد كنتَ حِصْناً للعَشيرَةِ كُلّها * وخطيبَها عِنْدَ الـهُمامِ الـأصيَدِ

  فاذهبْ ولا تَبعَدْ وكلُّ مُعَمّرٍ * سيَذوقُ كأسَ منيّةٍ بتَنَكّدِ

  للَّهِ دَرُّ بني نهاسِرَ إنّهُمْ  هَدَموا * العَمودَ وأدرَكوا بالـأسوَدِ

  ضَخمَ الدّسيعة ماجداً أعراقُهُ * كالبَدْرِ أو طَلعَةٍ كالـأسْعُدِ

**********

أُبَكّي عميدَ الـأبْطَحَينِ كِليهما * ومانِعَها من كلّ باغٍ يريدها

  أبي عُتْبَةُ الخيراتِ ويحكِ فاعلمي * وشَيْبَةُ والحامي الذّمارَ وليدُها

  أولئكَ آلُ المَجْدِ من آلِ غالبٍ * وفي العزّ منها حينَ يُنمى عديدُها

  أُبكّي أبي عَمراً بعينٍ غزيرةٍ * قليلٍ إذا نامَ الحليُّ هُجودُها

  وَصِنْوَيّ لا أنسى مُعاويةَ الّذي * لـه من سَراةِ الحَرّتَينِ وُفُودُها

  وصَخراً ومن ذا مثلُ صخرٍ إذا * غدا  بساحتِهِ الـأبْطالُ قزمٌ يَقودُها

  فذلكَ يا هِندُ الرّزيّةُ فاعلَمي * ونيرانُ حَرْبٍ حينَ شُبّ وَقودُها

**********

ألا يا عَينِ فانهمري بغُدْرِ * وفِيضي فَيْضَةً من غيرِ نَزْرِ

  ولا تعِدي عزاءً بعدَ صخرٍ * فقد غُلبَ العزاءُ وعيلَ صَبري

  لِمَرْزِئَةٍ كأنّ الجَوْفَ منها * بُعَيْدَ النّوْمِ يُشْعَرُ حَرّ جمرِ

  على صَخْرٍ وأيّ فتًى كصَخْرٍ * لِعانٍ عائلٍ غَلَقٍ بوَتْرِ

  وللخصْمِ الـألَدّ إذا تَعَدّى * ليأخُذَ حَقّ مَقهورٍ بقَسْرِ

  وللـأضْيافِ إذْ طَرَقوا هدوءاً * وللمَكَلِ المُكِلّ وكلّ سَفْرِ

  إذا نَزَلَتْ بهمْ سنَةٌ جمادٌ * أبيّ الدَّرّ لم تُكْسَعْ بِغُبْرِ

  هناكَ يكونُ غَيثَ حياً تَلاقَى * نَداهُ في جَنابٍ غَيرِ وَعْرِ

  وأحيا من مُخبّأةٍ كَعابٍ * وأشجَعَ من أبي شِبْلٍ هِزَبْرِ

  هريتِ الشّدقِ رئبالٍ إذا ما * عدا لم تُنْهَ عَدْوَتُهُ بزَجْرِ

  ضُبارِمَةٍ تَوَسّدَ ساعِدَيْهِ * على طُرْقِ الغُزاةِ وكلّ بحرِ

  تَدينُ الخادِراتُ لـهُ إذا مَا * سمِعْنَ زَئِيرَهُ في كُلّ فجرِ

  قَواعِدُ ما يُلِمّ بها عَريبٌ * لِعُسْرٍ في الزّمانِ ولا ليُسْرِ

  فإمّا يُمْسِ في جَدَثٍ مُقيماً * بمُعترَكٍ منَ الـأرْواحِ قَفْرِ

  فقد يعْصَوْصِبُ الجادُونَ منهُ * بأرْوَعَ ماجِدِ الـأعراقِ غَمْرِ

  إذا ما الضّيقُ حَلّ إلى ذَراهُ * تَلَقّاهُ بوَجْهٍ غَيرِ بَسْرِ

  تُفَرَّجُ بالنّدَى الـأبْوابُ عَنْهُ * ولا يكتَنّ دونَهُمُ بسِتْرِ

  دَهَتْني الحادثاتُ بهِ فأمْسَتْ * عليّ هُمومُها تغدو وتَسري

  لوَ انّ الدّهرَ مُتّخِذٌ خَليلاً * لَكانَ خليلَهُ صَخرُ بنُ عَمرِو

**********

قَذًى بعَينِكِ أمْ بالعَينِ عُوّارُ * أمْ ذَرَفَتْ إذْ خلَتْ من أهلِها الدارُ

  كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ * فيضٌ يَسيلُ على الخَدّينِ مِدرارُ

  تَبكي لصَخرٍ هي العَبْرَى وقدْ وَلـهَتْ * ودونَهُ من جديدِ التُّرْبِ أستارُ

  تبكي خُناسٌ فما تَنفكّ ما عَمَرَتْ * لـها علَيْهِ رَنينٌ وهيَ مِفْتارُ

  تبكي خُناسٌ على صَخْرٍ وحقّ لـها * إذ رابَها الدّهرُ إنّ الدّهرَ ضَرّارُ

  لا بدّ مِنْ ميتَةٍ في صرفِها عِبَرٌ * والدّهْرُ في صَرْفِهِ حولٌ وأطْوارُ

  قد كان فيكُمْ أبو عَمْرٍو يسودُكُمُ * نِعْمَ المُعَمَّمُ للدّاعينَ نَصّارُ

  صُلْبُ النّحيزَةِ وَهّابٌ إذا مَنَعُوا * وفي الحروبِ جريءُ

  الصّدْرِ مِهصَارُ  يا صَخْر * ُ وَرّادَ ماءٍ قد تَناذرَهُ

  أهلُ الموارِدِ ما في وِرْدِهِ عارُ * مشَى السّبَنْتى إلى هيجاءَ مُعْضِلَةٍ

  لـهُ سلاحانِ: أنيابٌ وأظفارُ * وما عَجُولٌ على بَوٍّ تُطيفُ بِهِ

  لـها حَنينانِ: إعْلانٌ وإسْرارُ * تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتى إذا ادّكرَتْ

  فإنّما هيَ إقْبالٌ وإدْبارُ * لا تَسمنُ الدهرَ في أرضٍ وإن رَتعتْ

  فإنّما هيَ تَحْنانٌ وتَسْجارُ * يوْماً بأوْجَدَ منّي يوْمَ فارَقني

  صَخْرٌ وللدّهرِ إحلاءٌ وإمرارُ * وإنّ صَخراً لَوالِينا وسيّدُنا

  وإنّ صَخْراً إذا نَشْتو لَنَحّارُ * وإنّ صَخْراً لمِقْدامٌ إذا رَكِبوا

  وإنّ صَخْراً إذا جاعوا لَعَقّارُ * وإنّ صَخراً لَتَأتَمّ الـهُداةُ بِهِ

  كَأنّهُ عَلَمٌ في رأسِهِ نارُ * جَلْدٌ جَميلُ المُحَيّا كامِلٌ وَرِعٌ

  وللحروبِ غداةَ الرّوْعِ مِسعارُ * حَمّالُ ألوِيَةٍ هَبّاطُ أودِيَةٍ

  شَهّادُ أنْدِيَةٍ للجَيشِ جَرّارُ * نحّارُ راغيَةٍ مِلْجاءُ طاغِيَةٍ

**********

أعَينيّ هلاّ تبكيانِ على صَخْرِ * بدمعٍ حَثيثٍ لا بَكيءٍ ولا نَزْرِ

  وتَسْتَفرِغانِ الدّمْعَ أوْ تَذْرِيانِهِ * على ذي النّدى والجود والسيّد الغمرِ

  فَما لَكُما عن ذي يَمينينِ فابْكِيا * عليهِ معَ الباكي المُسَلَّبِ مِنْ صَبرِ

  كأنْ لم يقلْ أهلاً لطالبِ حاجَةٍ * وكانَ بَليجَ الوَجهِ مُنشرِحَ الصّدرِ

  ولم يَغْدُ في خَيْلٍ مجَنَّبَةِ القَنَا * ليُرْوِيَ أطْرَافَ الرّدَيْنِيّةِ السُّمْرِ

  فَشَأنُ المَنايا إذْ أصابَكَ رَيْبُها * لتَغدو على الفتيانِ بعدَكَ أوْ تَسري

  فَمَنْ يضمَنُ المَعرُوفَ في صلبِ مالـه * ضَمانَكَ أو يَقري الضّيوفَ كما تقري

  ومَبثوثَةٍ مثلَ الجَرادِ وزَعْتَها * لـها زَجَلٌ يملا القُلوبَ منَ الذُّعرِ

  صَبَحْتَهُمُ بالخَيلِ تَردي كأنّها * جَرادٌ زَفَتْهُ ريحُ نجدٍ إلى البَحرِ

  وكائنْ قرَنْتَ الحَقّ من ثَوْبِ صَفوَةٍ * ومن سابحٍ طِرْفٍ ومن كاعبٍ بِكرِ

  وقائلةٍ والنّعشُ قد فاتَ خطوَها * لتُدْرِكَهُ: يا لـهفَ نَفسي على صَخرِ

  ألا ثَكَلَتْ أمّ الّذينَ مَشَوْا بِهِ * إلى القَبرِ ماذا يحمِلونَ إلى القَبرِ

  وماذا يُواري القَبرُ تحتَ تُرابِهِ * من الخيرِ يا بُؤسَ الحوادثِ والدّهرِ

  ومِ الحزْمِ في العَزّاءِ والجودِ والنّدَى * غَداةَ يُرَى حِلْفَ اليسارَةِ والعُسرِ

  لقد كانَ في كُلّ الـأمور مُهَذَّباً * جليلَ الـأيادي لا يُنَهْنَهُ بالزّجْرِ

  وإنْ تَلْقَهُ في الشَّرْبِ لا تَلقَ فاحشاً * ولا ناكثاً عَقدَ السّرائِرِ والصّبرِ

  فلا يُبْعِدَنْ قَبرٌ تَضَمّنَ شخصَهُ * وجادَ عليْهِ كلُّ واكِفَةِ القطر

**********

ذكرْتُ أخي بعدَ نوْمِ الخَليّ * فانحَدَرَ الدّمعُ مني انحِدارَا

  وخيلٍ لَبِستَ لـأبطالِها * شَليلاً ودَمّرْتَ قَوْماً دَمارَا

  تَصَيَّدُ بالرّمْحِ رَيعانَها * وتهتَصِرُ الكَبْشَ منها اهْتِصارَا

  فألحَمْتَها القَوْمَ تحتَ الوَغَى * وَأرْسَلْتَ مُهْرَكَ فيها فَغارَا

  يَقِينَ وتَحْسَبُهُ قافِلاً * إذا طابَقَتْ وغشينَ الحِرارَا

  فذلكَ في الجَدّ مَكْرُوهُهُ * وفي السّلم تَلـهُو وترْخي الإزارَا

  وهاجِرَةٍ حَرّها صاخِدٌ * جَعَلْتَ رِداءَكَ فيها خِمارَا

  لتُدْرِكَ شأواً على قُرْبِهِ * وتكسبَ حمداً وتحمي الذّمارَا

  وتُرْوي السّنانَ وتردي الكَميّ * كَمِرْجَلِ طَبّاخَةٍ حينَ فارَا

  وتُغشي الخيولَ حِياضَ النّجيعِ * وتُعطي الجزيلَ وتُردي العِشارَا

  كَأنّ القُتُودَ إذا شَدّها * على ذي وُسُومٍ تُباري صِوَارَا

  تَمَكّنَ في دِفْءِ أرْطاتِهِ * أهاجَ العَشِيُّ عَلَيْهِ فَثارَا?

  فَدارَ فلمّا رأى سِرْبَها * أحَسّ قَنيصاً قريباً فطارَا

  يُشَقّقُ سِرْبالَهُ هاجِراً * منَ الشّدّ لمّا أجَدّ الفِرارَا

  فباتَ يُقَنّصُ أبطالَها * وينعَصِرُ الماءُ منهُ انعِصارَا

**********

طَرَقَ النّعيُّ على صُفَيْنَةَ غُدْوَةً * ونَعَى المُعَمَّمَ من بني عَمرِو

  حامي الحَقيقةِ والمُجيرَ إذا * ما خِيفَ حَدُّ نَوائِبِ الدّهْرِ

  الحَيّ يَعْلَمُ أنّ جَفْنَتَهُ  تَغْدُو * غَداةَ الرّيحِ أوْ تَسري

  فإذا أضاءَ وجاشَ مِرْجَلُهُ * فَلَنِعْمَ رَبّ النّارِ والقِدْرِ

  أبْلِغْ مَوالِيَهُ فقَدْ رُزِئوا * مَوْلًى يَريشُهُمُ ولا يَشْري

  يَكْفي حُماتَهُمُ ويَمْنَحُهُمْ * مِئَةً مِنَ العِشرِينَ والعَشْرِ

  تُرْوي سِنانَ الرّمْحِ طَعْنَتُهُ * والخَيلُ قد خاضَتْ دماً يَجري

  قَدْ كانَ مأوَى كلّ أرْمَلَةٍ * ومُقيلَ عَثرَةِ كلّ ذي عُذْرِ

  تَلْقَى عِيالَهُمُ نَوَافِلُهُ * فتُصيبُ ذا المَيْسورِ والعُسْرِ

**********

يا عينُ فِيضي بدَمْعٍ منكِ مِغْزارِ * وابكي لِصَخْرٍ بدمْعٍ منكِ مِدرارِ

  إنّي أرقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ ساهِرَةً * كَأنّما كُحِلَتْ عَيْني بعُوّارِ

  أرْعَى النّجومَ وما كُلّفتُ رِعْيَتَها * وتارَةً أتَغَشّى فضْلَ أطْمارِي

  وقَدْ سَمِعْتُ فلمْ أبْهَجْ به خَبراً * مخبّراً قامَ يَنْمِي رَجْعَ أخبارِ

  قالَ: ابْنُ أُمّكِ ثاوٍ بالضّريحِ وقدْ * سَوّوْا علَيْهِ بألْواحٍ وأحْجارِ

  فاذْهَبْ فلا يُبْعِدَنْكَ اللَّه من رَجلٍ * مَنّاعِ ضَيْمٍ وطَلاّبٍ بأوْتارِ

  قد كنتَ تحمِلُ قلباً غيرَ مُهتَضَمٍ * مركَّباً في نصابٍ غيرِ خَوّارِ

  مثلَ السّنانِ تُضِيءُ اللّيلَ صورَتُهُ * جَلْدُ المَريرَةِ حُرٌّ وابنُ أحرارِ

  أبكي فتى الحَيّ نالَتْهُ مَنيّتُهُ * وكلُّ نَفْسٍ إلى وَقْتٍ ومِقْدارِ

  وسوْفَ أبكيكَ ما ناحَتْ مُطَوَّقَةٌ * وما أضاءَتْ نجومُ اللّيلِ للسّاري

  ولا أُسالِمُ قوْماً كنتَ حَرْبَهُمُ * حتى تَعودَ بَياضاً جؤنَةُ القارِ

  أبْلِغْ سُلَيْماً وعَوْفاً إنْ لَقيتَهُمُ * عمِيمَةً من نِداءٍ غيرِ إسرارِ

  أعني الذينَ إلَيْهِمْ كانَ منزلُهُ * هل تَعرِفونَ ذمامَ الضّيفِ والجارِ

  لَوْ مِنكُمُ كانَ فينا لمْ يَنَلْ أبَداً * حتى تُلاقَى أُمُورٌ ذاتُ آثارِ

  كأنّ ابنَ عَمّتِكُمْ حقّاً وضَيفَكُمُ * فيكمْ فلَمْ تَدفَعوا عَنْهُ بإخْفارِ

  شُدّوا المَآزِرَ حَتّى يُسْتَدَفّ لكُمْ * وشَمّرُوا إنّها أيّامُ تَشمارِ

  وابكوا فتى البأسِ وافَتْهُ مَنِيّتُهُ * في كلّ نائِبَةٍ نابَتْ وأقدارِ

  لا نَوْمَ حتى تَقودوا الخَيلَ عابِسَةً * يَنْبُذْنَ طِرْحاً بمُهْراتٍ وأمْهار

  أو تحفِروا حفرَةً فالمَوتُ مُكْتَنِعٌ * عِنْدَ البُيوتِ حُصَيناً وابنَ سَيّارِ

  أو تَرْحَضوا عَنكُمُ عاراً تجَلّلَكُمْ * رَحضَ العَوارِكِ حَيضاً عندَ أطهارِ

**********

عينِ فابكي لي على صَخْرٍ إذا * عَلَتِ الشّفْرَةُ أثباجَ الجُزُرْ

  يُشْبِعُ القَوْمَ منَ الشّحمِ إذا * ألوَتِ الرّيحُ بأغصانِ الشّجَرْ

  وإذا ما البِيضُ يَمْشينَ مَعاً * كَبَناتِ الماءِ في الضَّحْلِ الكَدِرْ

  جانحاتٍ تحتَ أطرَافِ القَنَا * بادِياتِ السّوقِ في فَجٍّ حذِرْ

  يَطْعَنُ الطّعْنَةَ لا يُرْقِئُها * رُقْيَةُ الرّاقي ولا عصْبُ الخُمُرْ

**********

كأنّ ابنَ عَمرٍو لم يُصَبّحْ لغارَةٍ * بخَيْلٍ ولم يُعْمِلْ نجائبَ ضُمّرَا

  ولم يجْزِ إخوَانَ الصّفاءِ ويَكتَني * عَجاجاً أثارَتْهُ السّنابِكُ أكدَرَا

  ولم يَبْنِ في حَرّ الـهَواجِرِ مرّةً * لِفِتْيَتِهِ ظِلاًّ رِداءً مُحَبَّرَا

  فبَكّوا على صَخرِ بن عمرٍو فإنّهُ * يَسيرٌ إذا ما الدّهرُ بالنّاسِ أعسرَا

  يجودُ ويحلو حينَ يُطْلَبُ خَيرُهُ * ومُرّاً إذا يَبْغي المرارَةَ مُمْقِرَا

  فخَنساءُ تَبكي في الظّلامِ حَزينَةً * وتَدعو أخاها لا يجيبُ مُعَفَّرَا

**********

أرِقْتُ ونامَ عن سَهَرى صِحابي * كَأنّ النّارَ مُشْعِلَةٌ ثِيابي

  إذا نَجْمٌ تَغَوّرَ كَلّفَتْني خَوالِدَ * ما تَؤوبُ إلى مَآبِ

  فَقَدْ خَلّى أبو أوْفَى خِلالاً * عَليّ فكُلّها دَخَلَتْ شِعابي

**********

يا عَينِ جودي بالدّموعِ * على الفَتى القَرْمِ الـأغَرْ

  أبْيَضُ أبْلَجُ وَجْهُهُ * كالشّمسِ في خَيرِ البَشَرْ

  والشّمسُ كاسفَةً لِمَهْلَكِهِ * ومَا اتّسَقَ القَمَرْ

  والإنْسُ تَبْكي وُلّهاً * والجِنّ تُسْعِدُ مَنْ سَمَرْ

  والوَحشُ تَبْكي شجْوَها * لمّا أتَى عَنْهُ الخَبَرْ

  المِدْرَهُ الفَيّاضُ يحمِلُ * عَنْ عَشيرَتِهِ الكِبَرْ

  يُعْطي الجَزيلَ ولا يَمُنّ * وليسَ شِيمَتُهُ العَسَرْ

  وَيْلي عَلَيْهِ وَيْلَةً * أصبحْتُ حصني مُنْكَسِرْ!

**********

أنّي تَأوّبَني الـأحْزانُ والسّهَرُ * فالعَينُ مني هُدوءاً دَمعُها دُرَرُ

  تَبكي لصَخْرٍ وقد رابَ الزّمانُ به * إذْ غالَهُ حَدَثُ الـأيّامِ والقَدَرُ

  سَمْحٌ خَلائِقُهُ جزلٌ مواهِبُهُ * وافي الذّمامِ إذا ما مَعشَرٌ غَدرُوا

  مأوى الضّريكِ ومأوى كلّ أرملةٍ * عندَ المُحولِ إذ ما هَبّتِ القُرَرُ

  ما بارَزَ القِرْنَ يَوْماً عندَ مَعرَكَةٍ * إلاّ لـه يوْمَ تَسمو الكَرّةُ الظَّفَرُ

**********

عينيّ جودا بدَمعٍ غيرِ منزُورِ * وأعوِلا! إنّ صَخراً خَيرُ مَقْبورِ

  لا تَخْذُلاني فإنّي غَيرُ ناسِيَةٍ * لذِكْرِ صَخْرٍ حَليفِ المَجدِ وَالخِيرِ

  يا صَخرُ! مَن لطِرَادِ الخَيلِ إذ وُزِعتْ * وللمَطايا إذا يُشْدَدْنَ بالكُورِ

  ولليَتامَى وللـأضيافِ إنْ طَرَقوا * أبياتَنا لفَعالٍ منكَ مَخْبورِ

  ومَنْ لكُرْبةِ عانٍ في الوثاق * ومَنْ  يُعطي الجَزيلَ على عُسْرٍ ومَيسورِ

  وَمَنْ لِطَعْنَةِ حِلْسٍ أوْ لـهاتِفَةٍ * يَوْمَ الصُّياحِ بفُرْسانٍ مُغاويرِ

  فَرّ الـأقارِبُ عَنْها بَعدَما ضُرِبوا * بالمَشرَفيّةِ ضَرْباً غَيرَ تَعْزيرِ

  وأسلمتْ بعد نَقْفِ البيضِ * واعتسفَتْ  من بَعْدِ لَذّةِ عَيْشٍ غيرِ مَقتُورِ

  يا صَخرُ كنتَ لَنا عَيشاً نَعيشُ بِهِ * لَوْ أمْهَلَتْكَ مُلِمّاتُ المَقاديرِ

  يا فارِسَ الخَيْلِ إنْ شَدّوا فلم يهِنوا * وفارِسَ القَوْمِ إنْ هَمّوا بتَقصِيرِ

  يا لـهفَ نَفسي على صَخرٍ إذا رُكِبَتْ * خَيْلٌ لخَيْلٍ كأمثالِ اليَعافِيرِ

  وألْقَحَ القوْمُ حَرْباً لَيسَ يُلقِحُها * إلاّ المَساعيرُ أبْناءُ المَساعيرِ

  يا صَخْرُ ماذا يُواري القَبرُ من كَرَمٍ * ومِنْ خَلائِقَ عَفّاتٍ مَطاهِيرِ

**********

يا عَينِ جودي بدَمْعٍ غَيرِ مَنْزُورِ * مثلِ الجُمانِ على الخَدّينِ مَحدورِ

  وابكي أخاً كانَ مَحموداً شمائِلُهُ * مثلَ الـهِلالِ مُنيراً غيرَ مَغمورِ

  وفارِسَ الخَيْلِ وافَتْهُ مَنيّتُهُ * فَفي فُؤاديَ صَدْعٌ غيرُ مَجبورِ

  نِعْمَ الفتى كنتَ إذ حَنّتْ مُرَفرِفَةً * هُوجُ الرّياحِ حَنينَ الوُلّهِ الحُورِ

  والخَيْلُ تَعْثُرُ بالـأبْطالِ عابِسَةً * مثلَ السّرَاحين من كابٍ ومَعفورِ

**********

يا عينِ جودي بالدّموعِ الغِزَارْ * وابكي على أرْوَعَ حامي الذّمارْ

  فَرْعٍ منَ القَوْمِ كريمِ الجَدا * أنْماهُ منهُمْ كلُّ محضِ النِّجارْ

  أقولُ لمّا جاءَني هُلْكُهُ * وصرّحَ النّاسُ بنَجْوَى السِّرَارْ:

  أُخَيّ! إمّا تَكُ وَدّعْتَنَا * وحالَ مِنْ دونِكَ بُعْدُ المَزَارْ

  فرُبّ عُرْفٍ كنْتَ أسْدَيتَهُ * إلى عِيالً ويَتامَى صِغَارْ

  ورُبّ نُعْمَى منكَ أنْعَمْتَها * على عُناةٍ غُلَّقٍ في الإسارْ

  أهْلي فِداءٌ للّذي غُودِرَتْ * أعْظُمُهُ تَلْمَعُ بَينَ الخَبارْ

  صَريعِ أرْماحٍ ومَشْحوذَةٍ * كالبرْقِ يَلْمَعْنَ خلالَ الدّيارْ

  مَنْ كانَ يَوْماً باكياً سَيّداً * فَلْيَبْكِهِ بالعَبَراتِ الحِرارْ

  ولْتَبْكِهِ الخَيْلُ إذا غُودِرَتْ * بساحَةِ المَوْتِ غَداةَ العِثارْ

  ولْيَبْكِهِ كُلُّ أخي كُرْبَةٍ * ضاقَتْ علَيْهِ ساحَةُ المُسْتَجارْ

  رَبيعُ هُلاّكٍ ومأوى نَدًى * حينَ يخافُ النّاسُ قَحطَ القِطارْ

  أسْقَى بِلاداً ضُمّنَتْ قَبْرَهُ * صَوْبُ مَرابيعِ الغُيوثِ السَّوارْ

  وما سؤالي ذاكَ إلاّ لِكَيْ * يُسقاهُ هامٍ بالرّوي في القِفارْ

  قُلْ للّذي أضْحَى بهِ شامِتاً: * إنّكَ والموْتَ مَعاً في شِعارْ

  هَوّنَ وَجدي أنّ مَنْ سَرّهُ * مَصْرَعُهُ لاحِقُهُ لا تُمارْ

  وإنّما بَيْنَهُما رَوْحَةٌ  في إثْرِ * غادٍ سارَ حَدَّ النّهارْ

  يا ضارِبَ الفارِسِ يَوْمَ الوَغَى * بالسّيْفِ في الحَوْمةِ ذاتِ الـأُوَارْ

  يَرْدي بهِ في نَقْعِها سابِحٌ * أجرَدُ كالسِّرْحانِ ثَبْتُ الحِضارْ

  نازَلْتَ أبْطالاً لَها ذَادَةً * حتى ثَنَوْا عن حُرُماتِ الذِّمارْ

  حَلَفْتُ بالبَيْتِ وزُوّارِهِ * إذْ يُعْمِلُونَ العِيسَ نحوَ الجِمارْ

  لا أجْزَعُ الدّهْرَ على هالِكٍ * بَعْدَكَ ما حَنّتْ هوادي العِشارْ

**********

يا صَخْرُ! مَن لحَوَادِثِ الدّهرِ * أمْ مَنْ يُسَهّلُ راكبَ الوَعْرِ

  كنتَ المُفَرِّجَ ما يَنوبُ فقَدْ * أصْبَحْتَ لا تُحْلي ولا تُمْري

  يُحْثى التّرابُ على مَحاسِنِهِ * وعلى غَضَارَةِ وَجْهِهِ النّضْرِ

**********

دَعَوْتُمْ عامِراً فَنَبَذْتُمُوهُ * ولم تَدْعوا معاوِيَةَ بن عَمْرِو

  ولَوْ نادَيْتَهُ لـأتاكَ يَسعَى * حَثيثَ الرّكْضِ أوْ لـأتاكَ يجري

  مُدِلاًّ حينَ تَشْتَجِرُ العَوالي * ويُدْرِكُ وِتْرَهُ في كلّ وِتْرِ

  إذ لاقَى المَنايا لا يُبالي * أفي يُسْرٍ أتاهُ أمْ بعُسْرِ

  كمِثْلِ اللّيْثِ مُفترِشٍ يَدَيْهِ * جريءِ الصّدْرِ رِئْبالٍ سِبَطْرِ

**********

كُنّا كأنْجُمِ ليلٍ وَسْطَها قَمَرُ * يَجلو الدُّجى فهوَى من بينِنا القمَرُ

  يا صَخرُ! ما كنتُ في قوْمٍ أُسَرّ بهِمْ * إلاّ وإنّكَ بَينَ القَوْمِ مُشْتَهَرُ

  فاذْهبْ حَميداً على ما كانَ من حدثٍ * فقَد سلَكْتَ سَبيلاً فيهِ مُعْتَبَرُ

**********

كُنّا كَغْصْنَينِ في جُرْثومَةٍ بَسَقَا * حيناً على خَيرِ ما يُنْمَى لَهُ الشّجَرُ

  حتى إذا قيلَ قَدْ طالَتْ عُروقُهُما * وطابَ غَرْسُهُما واستَوْسَقَ الثّمَرُ

  أخْنى على واحدٍ رَيْبُ الزّمانِ * وما  يُبْقي الزّمانُ على شيءٍ وَلا يَذَرُ

**********

يا عَينِ جودي بدَمْعٍ منكِ مِدرارِ * جُهْدَ العويلِ كماءِ الجدوَلِ الجارِي

  وابْكي أخاكِ ولا تَنْسَيْ شمائِلَهُ * وابكي أخاكِ شُجاعاً غَيرَ خَوّارِ

  وابْكي أخاكِ لـأيْتامٍ وأرْمَلَةٍ * وابكي أخاكِ لحَقّ الضّيفِ والجارِ

  جَمٌّ فواضِلُهُ تَنْدَى أنامِلُهُ * كالبدرِ يجلو ولا يخفى على السّاري

  رَدّادُ عارِيَةٍ فَكّاكُ عانِيَةٍ * كضَيغَمٍ باسِلٍ للقِرْنِ هَصّارِ

  جَوّابُ أوْدِيَةٍ حَمّالُ ألوِيَةٍ * سَمْحُ اليَدَينِ جوَادٌ غيرُ مِقتارِ

**********

ما بالُ عَيْنَيْكِ مِنْها دَمْعُها سَرَبُ * أراعَها حَزَنٌ أمْ عادَها طَرَبُ

  أم ذِكْرُ صَخْرٍ بُعَيْدَ النّوْمِ هَيّجها * فالدّمْعُ منها عَلَيْهِ الدّهرَ يَنسكِبُ

  يا لـهفَ نَفسي على صَخرٍ إذا رَكبَتْ * خَيْلٌ لخَيْلٍ تُنادي ثمّ تَضْطَرِبُ

  قد كانَ حِصْناً شَديدَ الرُّكنِ مُمتَنعاً * لَيثاً إذا نَزَلَ الفِتيانُ أوْ رَكِبُوا

  أغَرّ أزْهَرُ مِثلُ البَدرِ صُورَتُهُ * صافٍ عَتيقٌ فما في وَجههِ نَدَبُ

  يا فارِسَ الخَيْلِ إذْ شُدّتْ رَحائِلُها * ومُطعِمَ الجُوّعِ الـهَلْكَى إذا سغبوا

  كمْ من ضرَائِكَ هُلاّكٍ وأرْمَلَةٍ * حَلّوا لَدَيكَ فزالَتْ عنهمُ الكُرَبُ

  سَقْياً لقَبرِكَ من قَبرٍ ولا بَرِحَتْ * جَوْدُ الرّواعِدِ تَسْقيهِ وتَحْتَلِبُ

  ماذا تَضَمّنَ مِنْ جُودٍ ومِن كَرَمٍ * ومِنْ خَلائِقَ ما فيهنّ مُقتَضَبُ

**********

أعينيّ جُودا بالدّموعِ على صَخْرِ * على البَطَلِ المِقدامِ والسّيّدِ الغَمْرِ

  ليَبْكِ عَلَيْهِ مِنْ سُلَيْمٍ جَماعَةٌ * فقد كانَ بَسّاماً ومُحتضرَ القِدْرِ

**********

أسَدانِ مُحْمَرّا المَخالِبِ نَجْدَةً * بَحْرانِ في الزّمَنِ الغَضُوبِ الـأنمرِ

  قَمَرانِ في النّادي رَفيعا مَحْتِدٍ * في المَجدِ فَرْعا سُؤدُدٍ مُتَخَيّرِ

**********

ألا ابكي على صَخْرٍ وصَخْرٌ ثِمالُنا * إذا الحَرْبُ هَرّتْ واستَمَرّ مريرُها

  أقَامَ جَنَاحَيْ رَبْعِها وتَرَافَدوا * على صَعْبِها حتى اسْتَقامَ عَسِيرُها

  بِبارِقَةٍ للمَوْتِ فيها عَجاجَةٌ * مَناكِبُها مَسْمُومَةٌ ونُحُورُها

  أهَلّ بهَا وَكْفُ الدّماءِ ورَعْدُها * هَماهِمُ أبطالٍ قليلٌ فُتورُها

  فصَخْرٌ لدَيْها مِدْرَهُ الحَرْبِ كلّها * وصَخْرٌ إذا خانَ الرّجالُ يُطيرُها

  منَ الـهَضبَةِ العُلْيا التي ليسَ كالصّفا * صَفاها وما إنْ كالصّخورِ صُخورُها

  لـها شَرَفاتٌ لا تُنالُ ومَنْكِبٌ * مَنيعُ الذّرَى عالٍ على مَن يُثيرُها

  لـهُ بَسْطَتَا مَجْدٍ: فكَفٌّ مُفيدَةٌ * وأخرَى بأطْرافِ القَناةِ شُقُورُها

  مَنِ الحَرْبُ رَبّتْهُ فلَيسَ بسائِمٍ * إذا مَلّ عَنها ذاتَ يوْمٍ ضَجُورُها

  إذا ما اقْمَطَرّتْ للمَغارِ وأيْقَنَتْ * بهِ عَنْ حِيالٍ مُلقِحٍ مَن يَبورُها

**********

بَني سُلَيْمٍ! ألا تَبكُونَ فارِسَكُم * خلّى علَيكُمْ أموراً ذاتَ أمْرَاسِ

  ما للمَنايا تُغادينَا وتطْرُقُنا * كأنّنا أبَداً نُحْتَزّ بالفَاسِ

  تَغْدو عَلَيْنا فتَأبَى أن تُزَايِلَنا * للخَيرِ فالخَيرُ مِنّا رَهْنُ أرْماسِ

  ولا يَزالُ حَديثُ السّنّ مُقْتَبَلاً * وفارِساً لا يُرَى مثلٌ لَهُ راسِ

  مِنّا يُغافِصْنَهُ لو كانَ يَمْنَعُهُ * بأسٌ لَصَادَفَنا حَيّاً أُولي باسِ

**********

يُؤرّقُني التّذَكّرُ حينَ أُمْسي * فأُصْبحُ قد بُليتُ بفرْطِ نُكْسِ

  على صَخْرٍ وأيُّ فتًى كصَخْرٍ * ليَوْمِ كَريهَةٍ وطِعانِ حِلْسِ

  وللخَصْمِ الـألَدّ إذا تَعَدّى * ليأخُذَ حَقّ مَظْلُومٍ بقِنسِ

  فلَم أرَ مِثْلَهُ رُزْءاً لِجِنٍّ * ولم أرَ مِثْلَهُ رُزْءاً لإنْسِ

  أشَدَّ على صُرُوفِ الدّهْرِ أيْداً * وأفْصَلَ في الخُطوبِ بغَيرِ لَبسِ

  وضَيْفٍ طارِقٍ أوْ مُسْتَجيرٍ * يُرَوَّعُ قَلْبُهُ مِنْ كلّ جَرْسِ

  فأكْرَمَهُ وآمَنَهُ فأمْسَى * خَلِيّاً بالُهُ من كلّ بؤسِ

  يُذَكّرُني طُلُوعُ الشمسِ صَخراً * وأذكرُهُ لكلّ غُروبِ شَمْسِ

  ولَوْلا كَثرَةُ الباكينَ حَوْلي * على إخْوَانِهِمْ لقَتَلْتُ نَفْسِي

  ولكِنْ لا أزالُ أرَى عَجُولاً * وباكيَةً تَنوحُ ليَوْمِ نَحْسِ

  أراها والـهاً تَبكي أخاها * عَشِيّةَ رُزْئِهِ أوْ غِبّ أمْسِ

  وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِنْ * أُعَزّي النّفْسَ عنهُ بالتّأسّي

  فَلا واللَّهِ لا أنْساكَ حتى * أُفارِقَ مُهْجَتي ويُشَقّ رَمْسِي

  فقَدْ وَدّعْتُ يوْمَ فِرَاقِ صَخْرٍ * أبي حَسّانَ لَذّاتي وأُنْسِي

  فَيا لَهْفي عَلَيْهِ ولَهْفَ أُمّي * أيُصْبحُ في الضّريحِ وفيهِ يُمسِي

**********

يا عَينِ إبكي فارِساً * حسَنَ الطّعانِ على الفَرَسْ

  ذَا مِرّةٍ ومَهَابَةٍ * بَيْنَا نُؤمّلُهُ اختُلِسْ

  بَيْنَا نَرَاهُ بَادِياً * يَحْمي كَتِيبَتَهُ شَرِسْ

  كَاللّيْثِ خَفّ لِغِيلِهِ * يَحْمي فَريسَتَهُ شَكِسْ

  يَذَرُ الكَميَّ مُجَدَّلاً * تَرِبَ المَناخِرِ مُنْقَعِسْ

  خَضَبَ السِّنانَ بطَعْنَةٍ * فالنّفْسُ يحفِزُها النّفَسْ

  فالطّيرُ بَينَ مُرَاوِدٍ * يَدْنُو وآخَرَ مُنْتَهِسْ

  نِعْمَ الفَتى عِنْدَ الوَغَى * حينَ التّصايُحِ في الغَلَسْ

  فلـأبْكِيَنّكَ سَيّداً فَصْلَ * الخِطابِ إذا التَبَسْ

  مَنْ ذا يَقُومُ مَقامَهُ * بَعدَ ابنِ أمّي إذْ رُمِسْ

  أوْ مَنْ يَعُودُ بحِلْمِهِ * عندَ التّنازُعِ في الشَّكَسْ

  غَيْثُ العَشيرَةِ كُلّها * الغائِرِينَ ومَنْ جَلَسْ

**********

ألا يا عَينِ ويحَكِ أسْعِديني * لرَيْبِ الدّهْرِ والزّمَنِ العَضُوضِ

  ولا تُبْقي دُموعاً بَعْدَ صَخْرٍ * فقد كُلّفْتِ دهرَكِ أن تَفيضي

  فَفيضي بالدّموعِ على كَريمٍ * رَمَتْهُ الحادِثاتُ وَلا تَغيضِي

  فقد أصْبَحْتُ بعدَ فتى سُلَيْمٍ * أُفَرّجُ هُمّ صَدْري بالقَرِيضِ

  أُسائِلُ كُلّ والـهَةٍ هَبولٍ * بَرَاها الدّهرُ كالعظمِ المَهيضِ

  وَأُصْبحُ لا أُعَدّ صَحيحَ جِسْمٍ * ولا دَنِفاً أُمَرَّضُ كالمَرِيضِ

  ولكِنّي أبيتُ لذكْرِ صَخْرٍ * أغَصّ بسَلْسَلِ الماءِ الغَضِيضِ

  وأذكُرُهُ إذا ما الـأرْضُ أمْسَتْ * هُجُولاً لم تُلَمَّعْ بالوَمِيضِ

  فمَنْ للحَرْبِ إذا صارَتْ كَلُوحاً * وشَمّرَ مُشْعِلُوها للنّهوضِ

  وخيْلٍ قد دَلَفْتَ لـها بأُخْرَى * كأنّ زُهاءَها سَنَدُ الحَضيضِ

  إذا ما القَوْمُ أحْرَبَهُمْ تُبُولٌ * كذاكَ التَّبلُ يُطلَبُ كالقُروضِ

  بكُلّ مُهَنّدٍ عَضْبٍ حُسَامٍ * رَقيقِ الحَدّ مَصْقُولٍ رَحيضِ

**********

لقد صَوّتَ النّاعي بفَقْدِ أخي النّدى * نِداءً لَعَمْري لا أبا لكَ يُسْمَعُ

  فقُمْتُ وقدْ كادَتْ لرَوْعَةِ هُلْكِه * وفَزْعَتِهِ نَفسي منَ الحزْنِ تَتْبَعُ

  إلَيْهِ كَأنّي حَوْبَةً وتخَشّعاً * أخُو الخَمْرِ يَسمو تارَةً ثمّ يُصرَعُ

  فمن لِقِرَى الـأضْيافِ بعدَكَ إنْ هُمُ * قُبالَكَ حَلّوا ثمّ نادَوا فأسمَعُوا

  كعهْدِهِمِ إذْ أنتَ حَيَّ وإذْ لَهُمْ * لَدَيْكَ مَنالاتٌ ورِيٌّ ومَشْبَعُ

  ومَنْ لِمُهِمٍّ حَلّ بالجارِ فادِحٍ * وأمْرٍ وَهَى من صاحِبٍ ليسَ يُرْقَعُ

  ومَنْ لجَليسٍ مُفْحِشٍ لجَليسِهِ * عَلَيْهِ بجَهْلٍ جاهِداً يَتَسَرّعُ

  ولوْ كنتَ حيّاً كانَ إطْفاءُ جَهْلِهِ * بحلْمِكَ في رِفْقٍ وحِلْمُكَ أوْسَعُ

  وكنتُ إذا ما خِفْتُ إرْدافَ عُسرَةٍ * أظَلُّ لـها مِنْ خيفَةٍ أتَقَنّعُ

  دَعَوْتُ لـها صَخْرَ النّدى فوَجَدْتُهُ * لـه مُوسَرٌ يُنْفَى بهِ العُسْرُ أجمَعُ

**********

ألا مَا لعَيْنَيْكِ لا تَهْجَعُ * تُبَكّي لوَ انّ البكا يَنْفَعُ

  كَأنّ جُماناً هَوَى مُرْسِلاً * دموعَهُما أوْ هُمَا أسْرَعُ

  تَحَدّرَ وانْبَتّ منهُ النّظامُ * فانْسَلّ مِنْ سِلْكِهِ أجْمَعُ

  فَبَكّي لِصَخْرٍ ولا تَنْدُبي * سِوَاهُ فإنّ الفَتى مِصْقَعُ

  مضَى وسنَمْضي على إثْرِهِ * كذاكَ لكُلّ فَتًى مَصْرَعُ

  هُوَ الفارِسُ المُسْتَعِدّ الخَطيبُ * في القَوْمِ واليَسَرُ الوَعْوَعُ

  وعَانٍ يَحُكّ ظَنابيبَهُ * إذا جُرّ في القِدّ لا يُرْفَعُ

  دَعَاكَ فَهَتّكْتَ أغْلالَهُ * وقدْ ظَنّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ

  وجَلْسٍ أَمُونٍ تَسَدّيْتَها * لِيَطْعَمَهَا نَفَرٌ جُوَّعُ

  فَظَلّتْ تَكُوسُ على أكرُعٍ * ثَلاثٍ وكانَ لـهَا أرْبَعُ

  بِمَهْوٍ إذا أنْتَ صَوّبْتَهُ * كأنّ العِظامَ لَهُ خِرْوَعُ

**********

أبَى طولُ لَيْلَى لا أهْجَعُ * وقد عالَني الخَبَرُ الـأشْنَعُ

  نَعيُّ ابنِ عَمْرٍو أتَى مُوهِناً * قَتيلاً فَما ليَ لا أجْزَعُ

  وفَجّعَني رَيْبُ هذا الزّمان * بهِ والمَصائِبُ قَدْ تَفْجِعُ

  فمِثْلُ حَبيبيَ أبكَى العُيُونَ * وأوْجَعَ مَنْ كانَ لا يُوجَعُ

  أخٌ ليَ لا يَشْتَكيهِ الرّفيقُ * ولا الرّكْبُ في الحاجَةِ الجُوَّعُ

  ويَهْتَزّ في الحَرْبِ عِنْدَ النّزَالِ * كَما اهْتَزّ ذو الرّوْنَقِ المِقْطَعُ

  فما لي وللدّهْرِ ذي النّائِباتِ * أكُلُّ الوزوعِ بِنَا تُوزَعُ

**********

يا عَينِ جودي بدَمعٍ منكِ مَسكُوبِ * كلؤلؤٍ جالَ في الـأسْماطِ مَثقوبِ

  إنّي تَذَكّرْتُهُ واللّيلُ مُعْتَكِرٌ * فَفي فُؤاديَ صَدْعٌ غَيرُ مَشعوبِ

  نِعْمَ الفتى كانَ للـأضْيافِ إذْ نَزَلوا * وسائِلٍ حَلّ بَعدَ النّوْمِ مَحْرُوبِ

  كَمْ من مُنادٍ دَعا واللّيلُ مُكتَنِعٌ * نَفّسْتَ عنهُ حِبالَ المَوْتِ مَكرُوبِ

  ومِنْ أسيرٍ بلا شُكْرٍ جَزاكَ بِهِ * بِساعِدَيْهِ كُلُومٌ غَيرُ تَجليبِ

  فَكَكْتَهُ? ومَقالٍ قُلْتَهُ حَسَنٍ * بعدَ المَقالَةِ لمْ يُؤبَنْ بتَكْذيبِ

**********

يا أُمّ عَمْرٍو ألا تَبْكينَ مُعْوِلَةً * على أخيكِ وقد أعلى بهِ النّاعي

  فابْكي ولا تَسأمي نَوْحاً مُسلِّبَةً * على أخيكِ رَفيعِ الـهَمّ والبَاعِ

  فقَدْ فُجِعْتِ بمَيْمُونٍ نَقيبَتُهُ * جَمِّ المَخارِجِ ضَرّارٍ ونَفّاعِ

  فمَنْ لَنَا إنْ رُزِئْناهُ وفارَقَنَا * بسَيّدٍ مِنْ وَراءِ القَوْمِ دَفّاعِ

  قد كانَ سَيّدَنا الدّاعي عشيرَتَهُ * لا تَبْعَدَنّ فنِعْمَ السّيدُ الداعي

**********

أقْسَمْتُ لا أنْفَكّ أُهْدي قَصِيدَةً * لصَخْرٍ أخي المِفْضالِ في كلّ مجمَعِ

  فدَتْكَ سُلَيمٌ: كَهلُها وغُلامُها * وجُدّعَ منها كُلُّ أنْفٍ ومِسْمَعِ

**********

يا عينِ بَكّي بدَمْعٍ غَيرِ إنْزَافِ * وابكي لصَخْرٍ فَلَنْ يكفيكِهِ كافِ

  كوني كَوَرْقاءَ في أفْنانِ غِيلَتِها * أوْ صائحٍ في فُروعِ النّخلِ هَتّافِ

  وابكي على عارِضٍ بالوَدْقِ محْتَفِلٍ * إذا تَهاوَنَتِ الـأحْسابُ رَجّافِ

  ومُنْزِلِ الضّيّفِ إن هبّتْ مُجَلجِلةٌ * تَرْمي بصُمٍّ سريعِ الخَسفِ رَسّافِ

  أبي اليَتامَى إذا ما شَتْوَةٌ نَزَلَتْ * وفي المَزاحِفِ ثَبْتٍ غَيرِ وَجّافِ

**********

ما لِذا المَوْتِ لا يَزالُ مُخيفَا * كُلَّ يَوْمٍ يَنالُ مِنّا شَريفَا

  مولَعاً بالسَّراةِ مِنّا فَما يأخذُ * إلاّ المُهَذَّبَ الغِطْريفَا

  فلَوَ انّ المَنُونَ تَعْدِلُ فينَا * فتَنالُ الشّريفَ والمَشْرُوفَا

  كان في الحقّ أن يعودَ لَنا المَوْتُ * وأنْ لا نَسُومَهُ تَسْويفَا

  أيّها المَوْتُ لو تجافيتَ عن صَخْر * ٍ  لـألْفَيْتَهُ نَقِيّاً عَفِيفَا

  عاشَ خمسينَ حِجّةً يُنكرُ المُنكَرَ * فِينا ويَبْذُلُ المَعْرُوفَا

  رَحْمَةُ اللَّهِ والسّلامُ عَلَيْهِ * وسَقَى قَبرَهُ الرّبيعُ خَريفَا

**********

يا لـهفَ نَفسي على صَخرٍ وقد لـهِفَتْ * وهل يَرُدّنّ خَبْلَ القَلبِ تَلـهيفي

  إبْكي أخاكِ إذا جاوَرْتِهمْ سَحَراً * جودي عَلَيْهِ بدمْعٍ غيرِ منزُوفِ

  إبْكي المُهينَ تِلادَ المالِ إن نَزَلَتْ * شَهْباءُ تَرْزَحُ بالقَوْمِ المَتارِيفِ

  وابْكي أخاكِ لدَهْرٍ صارَ مؤتَلِفاً * والدّهرُ ويحكِ ذو فَجْعٍ وتجليفِ

**********

مَرِهَتْ عَيْني فَعَيْني * بَعْدَ صَخْرٍ عَطِفَهْ

  فدُموعُ العَينِ مِنّي * فَوْقَ خَدّي وَكِفَهْ

  طَرَفَتْ حُنْدُرَ عَيْني * بِعَكِيكٍ ذَرِفَهْ

  إنّ نَفْسي بَعدَ صَخْرٍ * بالرّدَى مُعْتَرِفَهْ

  وبِهَا مِن صَخْرَ شيءٌ * لَيسَ يُحْكَى بالصِّفَهْ

  وَبَنَفْسي لَهُمُومٌ * فَهْيَ حَرّى أسِفَهْ

  وبذكرَى صَخْرَ نَفْسي * كلَّ يَوْمٍ كَلِفَهْ

  إنّ صَخْراً كانَ حِصْناً * وَرُبًى للنُّطَفَهْ

  وغِياثاً ورَبيعاً * للعَجُوزِ الخَرفَهْ

  وإذا هَبّتْ شَمَالٌ * أوْ جَنُوبٌ عَصِفَهْ

  نَحَرَ الكُومَ الصّفَايَا * والبِكَارَ الخَلِفَهْ

  يَمْلـأُ الجَفْنَةَ شَحْماً * فَتَراها سَدِفَهْ

  وتَرَى الـهُلاّكَ شَبْعَى * نَحْوَهَا مُزْدَلِفَهْ

  وَتَرَى الـأيْديَ فِيها * دَسِمَاتٍ غَدِفَهْ

  وَارِداتٍ صَادِرَاتٍ * كَقَطاً مُخْتَلِفَهْ

  كَدَبُورٍ وشَمَالٍ * في حِياضٍ لَقِفَهْ

  يَتَفَرّقْنَ شُعُوباً * وَلَهُ مُؤتَلِفَهْ

  فَلَئِنْ أجْرُعُ صَخْرٍ * أصْبَحَتْ لي ظَلِفَهْ

  إنّهَا كانَتْ زَمَاناً * روضَةً مُؤتَنَفَهْ

**********

يا عَينِ جودي بدَمعٍ منكِ مُهْراق * إذا هَدَى النّاسُ أوْ هَمّوا بإطراقِ

  إني تُذَكّرُني صَخْراً إذا سَجَعَتْ * على الغُصُونِ هَتُوفٌ ذاتُ أطْواقِ

  وكلُّ عَبْرَى تَبيتُ اللّيلَ ساهِرَةً * تبكي بُكاءَ حزينِ القلبِ مُشتاقِ

  لا تَكْذِبَنّ فإنّ المَوْتَ مُخْتَرِمٌ * كلَّ البريّةِ غَيرَ الواحِدِ الباقي

  أنْتَ الفتى الماجِدُ الحامي حَقيقَتَهُ * تُعطي الجزيلَ بوَجْهٍ منكَ مِشراقِ

  والعَوْدَ تُعْطي معاً والنّابَ مُكْتَنِفاً * وكلَّ طِرْفٍ إلى الغاياتِ سَبّاقِ

  إنّي سأبْكي أبَا حَسّانَ نادِبَةً * ما زِلْتُ في كلّ إمْساءٍ وإشْراقِ

**********

ما بالُ عَينِكِ منها الدّمعُ مُهْراقِ * سَحّاً فَلا عازِبٌ عنها ولا راقِ

  أبكي على هالِكٍ أودى فأوْرَثَني * عندَ التّفَرّقِ حُزْناً حَرُّهُ باقِ

  لو كانَ يَشفي سقيماً وَجدُ ذي رَحِمٍ * أبقى أخي سالماً وَجْدي وإشْفاقي

  لوْ كانَ يُفْدَى لكانَ الـأهلُ كلّهمُ * وما أُثَمّرُ من مالً وأوْراقِ

  لكِنْ سِهامُ المَنايا مَنْ تُصِبْهُ بها * لا يَشْفِهِ رِفْقُ ذي طِبٍّ ولا راقِ

  لـأبْكِيَنّكَ ما ناحَتْ مُطَوَّقَةٌ * وما سَرَيتُ معَ السّاري على السّاقِ

  تَبْكي علَيكَ بُكا ثَكْلى مُفَجَّعَةٍ * ما إنْ يجِفّ لـها من ذكرِهِ مَاقي

  إذهَبْ فلا يُبْعِدَنْكَ اللَّهُ من رَجُلٍ * لاقَى الّذي كلُّ حَيٍّ بَعْدَهُ لاقي

**********

أمِنْ حَدَثِ الـأيّامِ عَيْنُكِ تَهمِلُ * تُبكّي على صَخرٍ وفي الدّهرِ مُذهِلُ

  ألا مَنْ لِعَينٍ لا تجِفّ دُموعُها * إذا قُلتُ أفثَتْ تَستَهِلّ فتَحفِلُ

  على ماجِدٍ ضَخْمِ الدّسيعَةِ بارِعٍ * لـهُ سورَةٌ في قَوْمِهِ ما تُحَوَّلُ

  فما بَلَغَتْ كَفُّ امرىءٍ مُتَناوِلٍ * منَ المَجْدِ إلاّ حَيثُ ما نِلتَ أطوَلُ

  ولا بَلَغَ المُهدونَ في القَوْلِ مِدْحَةً * ولا صَدَقُوا إلاّ الذي فيكَ أفْضَلُ

  وما الغَيثُ في جَعد الثرَى دمثِ الرُّبَى * تَبَعّقَ فيهِ الوابِلُ المُتَهَلِّلُ

  بأوْسَعَ سَيْباً مِنْ يَدَيْكَ ونِعْمَةً * تعُمّ بها بل سَيْبُ كَفّيكَ أجْزَلُ

  وجارُكَ مَحفُوظٌ مَنيعٌ بنَجْوَةٍ * منَ الضّيمِ لا يُؤذَى ولا يَتَذَلّلُ

  منَ القوْمِ مَغشِيُّ الرِّواقِ كَأنّهُ * إذا سِيمَ ضَيْماً خادِرٌ مُتَبَسِّلُ

  شَرَنْبَثُ أطرافِ البَنَانِ ضُبارِمٌ * لـه في عَرينِ الغِيلِ عِرْسٌ وأشبُلُ

  هِزَبْرٌ هَرِيتُ الشّدْقِ رئبالُ غابةٍ * مَخوفُ اللّقاءِ جائِبُ العينِ أنجَلُ

  أخو الجودِ مَعروفٌ لـه الجودُ والنّدى * حَليفانِ ما دامَتْ تِعارُ ويَذْبُلُ

**********

يا عينِ جُودي بدَمْعٍ منكِ تَهْمالِ * وعَبْرَةٍ بنَحيبٍ بعدَ إعوَالِ

  لا تَسْأمي أن تجودي غيرَ خاذِلَةٍ * فَيضاً كفَيضِ غُرُوبٍ ذاتِ أوْشالِ

  وابكي لصَخرٍ طوالَ الدّهرِ وانْتَحبي * حتى تَحُلّي ضَريحاً بينَ أجْبالِ

  يا لَهْفَ نفسي على صَخْرٍ * وقد لـهِفَتْ  نَفسي إذا التَفّ أبطالٌ بأبْطالِ

  وابْكيهِ للطّارِقِ المُنتابِ نائِلَهُ * وفي الحَقيقَةِ والإعطاءِ للمالِ

  وابكيهِ للخَيلِ تحتَ النَّقعِ عابسَةً * كأنّ أكتافَها عُلّتْ بجِرْيالِ

  يذُودُها عن حِمامِ المَوْتِ ذائِدَةٌ * كاللّيْثِ يَحمي عَريناً دونَ أشبالِ

  سقَى الإلَهُ ضَريحاً جَنّ أعظُمَهُ * وروحَهُ بغَزيرِ المُزْنِ هَطّالِ

**********

تَقولُ نِساءٌ: شِبتِ من غيرِ كَبْرَةٍ * وأيْسَرُ مِمّا قد لَقيتُ يُشيبُ

  أقولُ: أبا حسّانَ: لا العَيشُ طَيّبٌ * وكيفَ وقدْ أُفْرِدْتُ مِنكَ يَطيبُ

  فَتى السّنّ كهلُ الحِلمِ لا مُتَسَرّعٌ * ولا جامِدٌ جَعدُ اليَدَينِ جَديبُ

  أخُو الفَضْلِ لا باغٍ علَيهِ لفَضْلِهِ * ولا هُوَ خُرْقٌ في الوُجوهِ قَطوبُ

  إذا ذَكَرَ النّاسُ السّماحَ من امرىءٍ * وأكْرَمَ أوْ قالَ الصّوَابَ خَطيب

  ذكرْتُكَ فاستَعبَرْتُ وَالصّدُر كاظمٌ * على غُصّةٍ منها الفؤادُ يَذوبُ

  لَعَمْري لَقَد أوَهْيتَ قلبي عن العَزَا * وطأطأتَ رَأسي والفؤادُ كئيبُ

  لقَدْ قُصِمَتْ مني قَناةٌ صَليبَةٌ * ويُقْصَمُ عُودُ النَّبْعِ وهْوَ صَليبُ

**********

أيا عينيّ ويحكُما استَهِلاّ * بدَمْعٍ غَيرِ مَنزُورٍ وعُلاّ

  بدَمْعٍ غيرِ دَمْعِكما وجُودا * فقَد أُورِثْتُما حُزْناً وذُلاً

  على صَخْرَ الـأغَرّ أبي اليَتَامَى * ويَحمِلُ كلَّ مَعثَرَةٍ وكَلاّ

  فإنْ أسْعَفْتُماني فارْفِداني * بدمْعٍ يُخْضِلُ الخدّينِ بَلاّ

  على صَخْرِ بنِ عمرٍو إنّ هذا * وإن قد قلّ بحرُكَ واضمحلاّ

  فقد أُورِثْتُما حُزْناً وذُلاّ * وحَرّاً في الجَوانبِ مُسْتَقِلاّ

  فقُومي يا صَفيّةُ في نِساءٍ * بحَرّ الشّمْسِ لا يَبغينَ ظِلاّ

  يُشَقّقنَ الجُيوبَ وكلَّ وَجْهٍ * طَفيفٌ أن تُصَلّي لـه وقَلاّ

**********

بكَتْ عَيْني وحُقّ لـها العَويلُ * وهاضَ جَناحيَ الحدَثُ الجليلُ

  فقَدتُ الدّهرَ  كيفَ أكَلَّ رُكني * لـأقْوامٍ مَوَدّتُهُمْ قَليلُ

  على نَفَرٍ هُمُ كانُوا جَنَاحي * علَيْهِمْ حينَ تَلْقاهُمْ قَبُولُ

  فذكّرَني أخي قَوْماً تَوَلّوا * عليّ بذِكْرِهمْ ما قِيلَ قيلُ

  مُعاويَةُ بنُ عمرٍو كانَ رُكْني * وصَخْراً كانَ ظِلُّهُمُ الظّليلُ

  ذكَرْتُ فغَالَني ونَكا فُؤادي * وأرّقَ قَوْميَ الحُزْنُ الطّويلُ

  أُولو عِزٍّ كأنّهُمُ غِضابٌ * ومَجدٍ مَدَّهُ الحَسَبُ الطّويلُ

  هُمُ سادُوا مَعَدّاً في صِباهُمْ * وسادوا وهُمْ شَبابٌ أوْ كُهُولُ

  فبَكّي أُمَّ عمرٍو كلَّ يَوْمٍ * أخا ثِقَةٍ مُحَيّاهُ جَميلُ

**********

ألا لَيْتَ أُمّي لم تَلِدْني سَوِيّةً * وكنتُ تُراباً بَينَ أيْدي القَوابِلِ

  وخَرّتْ على الـأرْضِ السّماءُ فطبّقتْ * وماتَ جَميعاً كلُّ جافٍ وناعِلِ

  غَداةَ غَدا ناعٍ لصَخْرٍ فَراعَني * وأوْرَثَني حُزْناً طَويلَ البَلابِلِ

  فقلتُ لـهُ: ماذا تَقولُ  فقالَ لي: * نعى ما ابن عمرٍو  أثكلَتهُ هوابلي

  فأصْبَحْتُ لا ألْتَذّ بَعدَكَ نِعْمَةً * حَياتي ولا أبْكي لدَعوَةِ ثاكِلِ

  فشأنَ المَنايا بالـأقارِبِ بَعْدَهُ * لتُعْلِلْ عَلَيْهِمْ عَلّةٌ بَعدَ ناهِلِ

**********

يا عينِ جودي بالدّموعِ السُّجولْ * وابكي على صَخْرٍ بدَمعٍ هَمولْ

  لا تَخْذُليني عندَ جَدّ البُكا * فليسَ ذا يا عينِ وقتَ الخذولْ

  إبْكي أبا حَسّانَ واسْتَعبري * على الجَميلِ المُسْتَضافِ المَخيلْ

  نِعْمَ أخو الشّتْوَةِ حَلّتْ بهِ * أرامِلُ الحيّ غَداةَ البَليلْ

  يَأتِينَهُ مُسْتَعْصِماتٍ بِهِ * يُعْلِنّ في الدّارِ بدعْوَى الـأليلْ

  ونِعْمَ جارُ القَوْمِ في أزْمَةٍ * إذا التَجا النّاسُ بجارٍ ذَليلْ

  دَلّ على مَعرُوفِهِ وَجْهُهُ * بُورِكَ فيهِ هادِياً مِنْ دَليلْ

  لا يَقْصِرُ الفَضْلَ على نَفْسِهِ * بل عِنْدَهُ مَنْ نابَهُ في فُضُولْ

  قَدْ عَرَفَ النّاسُ لَهُ أنّهُ * بالمَنْزِلِ الـأتْلَعِ غيرُ الضَّئيلْ

  عَطاؤهُ جَزْلٌ وصَوْلاتُهُ * صَوْلاتُ قَرْمٍ لقُرُومٍ صَؤولْ

  ورَأيُهُ حُكْمٌ وَفي قَوْلِهِ * مَواعِظٌ يُذْهِبْنَ داءَ الغَليلْ

  لَيْسَ بخَبٍّ مانِعٍ ظَهْرَهُ * لا يَنْهَضُ الدّهْرَ بعبْءٍ ثَقيلْ

  ولا بِسَعّالٍ إذا يُجْتَدَى * وضَاقَ بالمَعروفِ صَدْرُ السَّعولْ

  قد راعَني الدّهْرُ فبُؤساً لـهُ * بفارِسِ الفُرْسانِ والخَنْشَليلْ

  ترَكْتَني وسطَ بَني عِلّةٍ * أدورُ فيهِمْ كاللّعينِ النّقيلْ

**********

إنّ أبا حَسّانَ عرْشٌ هَوَى * ممّا بنى اللَّهُ بكِنٍّ ظَليلْ

  أتْلَعُ لا يغْلِبُهُ قِرْنُهُ * مُستَجمعُ الرّأيِ عَظيمٌ طويلْ

  تَحْسَبُهُ غَضْبانَ مِنْ عِزّهِ * ذلِكَ منهُ خُلُقٌ ما يَحُولْ

  وَيْلُ امّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ إذا * أُلِقيَ فيها فارِساً ذا شَليلْ

  تَشْقَى بهِ الكُومُ لدى قِدْرِهِ * والنّابُ والمُصْعَبَةُ الخَنْشَليلْ

  أنّي ليَ الفارِسُ أغدو بهِ * مثلَكَ إذا ما حَمَلَتني الحَمولْ

  ترَكْتَني يا صَخْرُ في فِتيَةٍ * كأنّني بعدَكَ فيهِمْ نَقيلْ

**********

أبْكي عَلى البَطَلِ الّذي * جَلّلْتُمُ صَخْراً ثِقالا

  مُتَحَزِّماً بالسّيفِ يرْكَبُ * رُمْحَهُ حالاً فَحالا

  يا صَخْرُ مَنْ للخَيْلِ إذْ * رُدّتْ فَوَارِسُها عِجَالا

  مُتَسَرْبِلي حَلَقِ الحَديدِ * تَخالُهُمْ فيهِ جِمالا

  وَيْلي عَلَيْكَ إذا تَهُبّ * الرّيحُ بارِدَةً شَمَالا

  والحَيْدَرُ الصُّرّادُ لَمْ * يَكُ غَيْمُها إلاّ طِلالا

  لِيُرَوِّعَ القَوْمَ الذينَ * نَعُدّهُمْ فينَا عِيالا

  خَيرُ البَرِيّةِ في قِرًى * صَخْرٌ وأكْرَمُهُمْ فِعَالا

  وهوَ المُؤمَّلُ والّذي * يُرْجَى وأفْضَلُها نَوَالا

**********

أعَيْنِيَ فِيضي ولا تَبْخُلي * فإنّكِ للدّمْعِ لم تَبْذُلي

  وجودي بدَمْعِكِ واستَعبري * كسَحّ الخَليجِ على الجَدْوَلِ

  على خَيرِ من يَندبُ المُعْولونَ * والسّيّدِ الـأيّدِ الـأفْضَلِ

  طويلِ النِّجادِ رَفيعِ العِمادِ * ليسَ بوَغْدٍ ولا زُمَّلِ

  يُجيدُ الكفاحَ غداةَ الصُّياحِ * حامي الحَقيقَةِ لم يَنْكَلِ

  كأنّ العُداةَ إذا ما بَدا * يخافُونَ وَرْداً أبا أشْبُلِ

  مُدِلاًّ منَ الـأُسْدِ ذا لِبْدَةٍ * حَمَى الجِزْعَ منهُ فلمْ يُنزَلِ

  يَعِفّ ويَحْمي إذا ما اعْتَزَى * إلى الشّرَفِ الباذِخِ الـأطْوَلِ

  يُحامي عَنِ الحَيّ يوْمَ الحِفاظِ * والجارِ والضّيفِ والنُّزّلِ

  ومُسْتَنّةٍ كاسْتِنانِ الخَليجِ * فَوّارَةِ الغَمْرِ كالمِرْجَلِ

  رَموحٍ من الغيظِ رمح الشَّموس * تَلافَيْتَ في السّلَفِ الـأوّلِ

  لتَبْكِ عَلَيْكَ عِيالُ الشّتاءِ * إذا الشَّوْلُ لاذَتْ منَ الشّمألِ

**********

ألا يا صَخْرُ إنْ أبكَيتَ عَيني * لقَدْ أضْحَكْتَني دَهْراً طَويلا

  بَكَيْتُكَ في نِساءٍ مُعْوِلاتٍ * وكنتُ أحَقَّ مَنْ أبدى العَويلا

  دَفَعْتُ بكَ الجَليلَ وأنتَ حَيٌّ * فمَنْ ذا يَدْفَعُ الخَطْبَ الجَليلا

  إذا قَبُحَ البُكاءُ على قَتيلٍ * رأيْتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجَميلا

**********

ألا ما لِعَيْنِكِ أمْ ما لـهَا * لقدْ أخْضَلَ الدّمْعُ سِرْبالَها

  أبَعد ابن عَمرٍو من آلِ الشّريدِ * حَلّتْ بهِ الـأرْضُ أثقالَها

  فآلَيْتُ آسَى على هَالِكٍ * وَأسْألُ باكِيَةً ما لـهَا

  لَعَمْرُ أبِيكَ? لَنِعْمَ الفَتى * تَحُشّ بهِ الحَرْبُ أجذالـها

  حَديدُ السّنانِ ذَليقُ اللّسانِ * يُجازي المَقارِضَ أمثالَها

  هَمَمْتُ بنَفسيَ كلَّ الـهُمومِ * فأوْلى لنَفسيَ أوْلى لَهَا

  سأحْمِلُ نَفسي على آلَةٍ * فإمّا عَلَيْها وإمّا لـهَا

  فإنْ تَصْبِرِ النّفسُ تَلقَ السّرورَ * وإنْ تَجزَعِ النّفسُ أشقَى لـها

  نُهينُ النّفوسَ  وهَوْنُ النّفوس * يَوْمَ الكَريهَةِ أبْقَى لـهَا

  ونَعْلَمُ أنّ مَنايا الرّجالِ * بالِغَةٌ حَيْثُ يُحْلَى لـهَا

  لِتَجْرِ المَنيّةُ بَعدَ الفَتى * المغادَرِ بالمَحْوِ أذْلالَها

  ورَجْراجَةٍ فَوْقَها بِيضُها * علَيها المُضاعَفُ أمثالَهَا

  ككِرْفِئَةِ الغَيثِ ذاتِ الصّبيرِ * تَرْمي السّحابَ ويُرْمَى لـها

  وخَيْلٍ تَكَدّسُ بالدّارِعينَ * نازَلَتْ بالسّيْفِ أبْطالَها

  وقافِيَةٍ مثلِ حَدّ السّنانِ * تَبْقَى ويَذْهَبُ مَن قالَها

  تَقُدّ الذّؤابَةَ مِنْ يَذْبُلٍ * أبَتْ أنْ تُفارِقَ أوْعالَها

  نطَقْتَ ابنَ عَمرٍو فسهّلتَها * ولم يَنْطِقِ النّاسُ أمْثالَها

  فإنْ تَكُ مُرّةُ أوْدَتْ بِهِ * فقَد كانَ يُكْثِرُ تَقْتالـها

  فَخَرَّ الشّوامِخُ من قَتلِهِ * وزُلْزِلَتِ الـأرْضُ زِلزالَها

  وزالَ الكَواكِبُ منْ فَقْدِهِ * وجُلّلَتِ الشّمْسُ أجْلالـها

**********

سَقَى جَدَثاً? أكنافُ غَمرَةَ دونَه * منَ الغَيثِ ديماتُ الرّبيعِ ووابِلُهْ

  أُعيرُهُمُ سمعي إذا ذُكرَ الـأسَى * وفي القَلبِ منهُ زَفرَةٌ ما تُزايِلُهْ

  وكنتُ أُعيرُ الدّمعَ قبلَكَ مَن بَكى * فأنْتَ على مَنْ ماتَ بَعدَكَ شاغِلُهْ

**********

أعَينِ ألا فَابْكي لِصَخْرٍ بدَرّةٍ * إذا الخيل من طول الوَجيفِ اقشعرّتِ

  إذا زَجَروها في الصّريخِ وطابقَتْ * طِباقَ كِلابٍ في الـهِراشِ وهَرّتِ

  شَدَدْتَ عِصابَ الحَرْبِ إذ هيَ مانعٌ * فألْقَتْ برِجْلَيها مَرِيّاً فَدَرّتِ

  وكانتْ? إذا ما رامَها قَبلُ حالبٌ * تَقَتْهُ بإيزاغٍ دَماً واقمَطَرّتِ

  وكانَ أبو حَسّانَ صَخْرٌ أصابَهَا * فأرْغَثَها بالرّمْحِ حتى أقَرّتِ

  كَراهِيَةٌ والصّبرُ منكَ سَجيّةٌ * إذا ما رَحى الحرْبِ العَوَانِ استَدَرّتِ

  أقَامُوا جَنَابَيْ رأسِها وترافَدُوا * على صَعْبِها يَوْمَ الوَغى فاسبطَرَّتِ

  عَوَانٌ ضَرُوسٌ ما يُنادى وَليدُها * تُلَقَّحُ بالمُرّادِ حتى استَمَرّتِ

  حَلَفْتَ على أهْلِ اللّواءِ لَيوضَعَنْ * فما أحْنَثَتْكَ الخَيْلُ حتى أبَرّتِ

  وخَيْلٌ تُنادى لا هَوَادَةَ بَيْنَها * مَرَرْتَ لـها دونَ السَّوَامِ ومُرّتِ

  كَأنّ مُدِلاًّ مِنْ أُسُودِ تَبالَةٍ * يكونُ لـها حَيثُ استَدارَتْ وكَرّتِد

**********

كلُّ امرىءٍ بأثافي الدّهرِ مَرْجومُ * وكلُّ بَيْتٍ طَويلِ السَّمكِ مَهدومُ

  لا سُوقَةٌ منهُمُ يَبقى ولا مَلِكٌ * ممّنْ تَمَلّكَهُ الـأحرارُ والرّومُ

  إنّ الحَوادِثَ لا يَبْقَى لنائِبِها * إلاّ الإلَهُ  وراسي الـأصْلِ مَعلومُ

  وَقَدْ أتاني حَديثٌ غَيرُ ذي طِيَلٍ * مَنْ مَعْشَرٍ رأيُهُمْ قِدْماً تَهاميمُ

  إنّ الشَّجاةَ التي حدّثْتُمُ اعترَضَتْ * خَلْفَ اللَّها لم تُسوّغْها البَلاعيمُ

  إن كان صَخرٌ توَلّى فالشَّماتُ بكمْ * وليسَ يَشمَتُ من كانتْ لـهُ طُومُ

  مُرُّ الحَوادِثِ يَنقادُ الجَليدُ لَها * ويَسْتَقيمُ لـها الـهَيّابَةُ البُومُ

  قد كانَ صَخراً جَليداً كامِلاً بَرِعاً * جَلْدَ المَريرَةِ تُنْميهِ السّلاجيمُ

  فأصْبَحَ اليَوْمَ في رَمْسٍ لدى جَدَثٍ * وَسطَ الضّريحِ علَيْهِ التُّرْبُ مَركومُ

  تاللَّهِ أنسَى ابنَ عمرِو الخيرِ ما نطَقَتْ * حَمامَةٌ أو جَرَى في الغمرِ عُلجومُ

  أقولُ صَخْرٌ لدى الـأجداثِ مَرْمُومُ * وكيفَ أكتُمُهُ والدّمْعُ مَسْجُومُ

**********

لَعَمْري  وما عَمري عليّ بهيّنٍ * لَنِعْمَ الفَتى أرْدَيْتُمُ آلَ خَثْعَما

  أُصِيبَ بهِ فَرْعا سُلْيمٍ كِلاهُما * فَعَزّ عَلَيْنا أنْ يُصابَ ونُرْغَمَا

  وكانَ إذا ما أقْدَمَ الخَيْلَ بِيشَةً * إلى هَضْبِ أشراكٍ أناخَ فألجَمَا

  فأرْسَلَها تَهْوي رِعالاً كأنّها * جَرَادٌ زَفَتْهُ ريحُ نَجْدٍ فأتْهَمَا

  فأمْسَى الحَوامي قَدْ تَعَفّيْنَ بَعدَهُ * وكانَ الحَصَى يَكْسو دَوابِرَها دما

  فَآبَتْ عِشَاءً بالنِّهابِ وكُلُّها * يُرَى قَلِقاً تحتَ الرِّحالةِ أهْضَمَا

  وكانت إذا ما لم تُطارِدْ بعاقِلٍ * أوِ الرَّسّ خَيْلاً طارَدَتْها بعَيْهَمَا

  وكانَ ثِمالَ الحَيّ في كلّ أزْمَةٍ * وعِصْمَتَهُمْ والفارِسَ المُتَغَشِّمَا

  ويَنْهَضُ للعُلْيا إذا الحَرْبُ شمّرَتْ * فيُطْفِئُها قَهْراً وإنْ شاءَ أضْرَمَا

  فأقْسَمْتُ لا أنْفَكّ أُحْدِرُ عَبرَةً * تَجولُ بها العَيْنانِ منّي لِتَسْجُما

**********

يا عَينِ جودي بالدّموعِ * المُسْتَهِلاّتِ السّواجِمْ

  فَيْضاً كما انخَرَقَ الجُمانُ * وجالَ في سِلكِ النّواظمْ

  وابْكي مُعاوِيَةَ الفَتى * وابنَ الخَضارِمةِ القُماقِمْ

  والحازِمَ الباني العُلَى * في الشّاهقاتِ منَ الدّعائِمْ

  تَلْقَى الجَزيلَ عَطاؤهُ * عندَ الحَقائِقِ غيرَ نادِمْ

  أسْقَى الإلَهُ ضَريحَهُ * من صَوْبِ دائمَةِ الرَّهائمْ

**********

أمن ذكرِ صَخْرٍ دمعُ عَينه يَسجُمُ * بدَمْعٍ حَثيثٍ كالجُمانِ المُنظَّمِ

  فتًى كانَ فينا لم يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ * كَفالاً لـأمٍّ أو وَكيلاً لمَحْرَم

  حَسيبٌ يُنالُ المَجدُ منهُ ببَسطَةٍ * ويَعجُزُ عن إفْضالِهِ كلُّ شَيظَمِ

  فَفَرّقْتَ فَرْعَيها وكنتَ سَدادَها * إذا كانَ يَوْمٌ بالِغاً كلَّ مُعُظَمِ

  وما ضاعَتِ الـأرْحامُ عِنْدَكَ والذي * وَليتَ ومااستُحفِظتَ فيها لمُجرِمِ

  كَأنّ بُغاةَ الخَيْرِ عندَكَ أصبَحُوا * على نَهَجٍ من طافحِ البَحْرِ خِضْرِمِ

  توَسّعْتَ للحاجاتِ يا صَخْرُ كلِّها * فحَامَ إلى مَعْرُوفِكَ المُتَنَسَّمِ

  وأنْتَ ابنُ فَرْعِ القوْم يا صَخرُ كلِّها * إذا قالَ فُرْسانُ اللّقا: صَخرُ أقدِمِ

  إذا ذَكَرَتْ نَفْسي نَداهُ وبَأسَهُ  تَحَسّرَ * عَنها كلُّ عيشٍ وأنْعُمِ

**********

يا عَينِ بَكّي على صَخْرٍ لـأشْجانِ * وهاجِسٍ في ضَميرِ القَلْبِ خَزّانِ

  إنّي ذَكَرْتُ نَدَى صَخْرٍ فهَيّجني * ذكرُ الحَبيبِ على سُقْمٍ وأحزانِ

  فابْكي أخاكِ لـأيْتامٍ أضَرّ بِهِمْ * رَيْبُ الزّمانِ وكلُّ الضَّرّ يِغشاني

  وابْكي المُعَمَّمَ زينَ القائدينَ إذا * كانَ الرّماحُ لدَيهِمْ خَلْجَ أشْطانِ

  وابنَ الشّريدِ فلمْ تُبْلَغْ أرومَتُهُ * عندَ الفَخارِ لَقَرْمٌ غيرُ مِهْجانِ

  لو كانَ للدّهْرِ مالٌ عندَ مُتْلِدِهِ * لكانَ للدّهْرِ صَخْرٌ مالَ فِتْيانِ

  آبي الـهضيمَةِ آتٍ بالعَظيمَةِ مِتْلافُ * الكَريمَةِ  لا نِكْسٌ ولا وانِ

  حامي الحقيقَةِ بسّالُ الوَديقةِ مِعتاقُ * الوَسيقةِ جَلْدٌ غَيرُ ثُنْيانِ

  طَلاّعُ مَرْقَبَةٍ مَنّاعُ مَغْلَقَةٍ * وَرّادُ مَشْرَبَةٍ قَطّاعُ أقْرَانِ

  شَهّادُ أنْدِيَةٍ حَمّالُ ألْوِيَةٍ * قطّاعُ أوْدِيَةٍ سِرْحانُ قِيعانِ

  يَحْمي الصِّحابَ إذا جَدَّ الضِّرابُ * ويَكفي القائلينَ إذا ما كَيّلَ الـهاني

  ويَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنامِلُهُ * كَأنّ في رَيْطَتَيْهِ نَضْحَ أُرْقانِ

  يُعطيكَ ما لا تكادُ النّفسُ تُسلِمُهُ * من التِّلادِ وهوبٌ غيرُ مَنّانِ

**********

يا لـهْفَ نَفسي على صَخْرٍ وقد فزِعتْ * خَيْلٌ لخَيْلٍ وأقْرَانٌ لـأقْرَانِ

  سَمْحٌ إذا يَسَرَ الـأقْوَامُ أقْدُحَهُمْ * طَلْقُ اليَدَينِ وَهُوبٌ غَيرُ مَنّانِ

  حُلاحِلٌ ماجِدٌ مَحْضٌ ضَريبَتُهُ * مِجْذامَةٌ لـهواهُ غَيرُ مِبْطانِ

  سَمْحٌ سَجيّتُهُ جزلٌ عَطيّتُهُ * وللـأمانَةِ راعٍ غَيرُ خَوّانِ

  نعمَ الفتى أنتَ يوْمَ الرّوْعِ قد علموا * كُفْءٌ إذا التَفّ فُرْسانٌ بفرْسانِ

  سَمْحُ الخَلائِقِ مَحمودٌ شَمائِلُهُ * عالي البناءِ إذا ما قَصّرَ الباني

  مأوى الـأرامِلِ والـأيْتامِ إنْ سَغِبوا * شَهّادُ أنجيَةٍ مِطْعامُ ضِيفانِ

  حِلفُ النّدى وعقيدُ المجدِ أيّ فتًى * كاللّيثِ في الحرْبِ لا نِكسٌ ولا وانِ

**********

بَكَتْ عَيْني وعاوَدَها قَذاها * بعُوّارٍ فَما تَقضِي كَرَاها

  على صَخْرٍ وأيّ فتًى كصَخْرٍ * إذا ما النّابُ لم تَرْأمْ طِلاها

  فَتى الفِتْيانِ ما بَلَغوا مَداهُ * ولا يَكْدَى إذا بلغَتْ كُداها

  حَلَفْتُ برَبّ صُهْبٍ مُعْمِلاتٍ * إلى البَيْتِ المُحَرَّمِ مُنْتَهاها

  لَئنْ جَزِعتْ بنو عَمْرٍو عليْهِ * لقَدْ رُزِئَتْ بَنو عَمْرٍو فَتَاها

  لَهُ كَفٌّ يُشَدّ بها وكَفٌّ * تَحَلَّبُ ما يجِفّ ثرَى نَداها

  تَرَى الشُّمّ الجَحاجِحَ من سُلَيْمٍ * يَبُلّ نَدَى مَدامِعها لِحاها

  على رَجلٍ كَرِيمِ الخِيمِ أضْحَى * ببَطْنِ حَفيرَةٍ صَخِبٍ صداها

  ليَبْكِ الخَيرَ صَخراً من مَعَدٍّ * ذَوو أحلامِها وذوو نُهاها

  وخَيْلٍ قدْ لَفَفْتَ بجَوْلِ خَيْلٍ * فدارَتْ بَينَ كَبْشَيْها رَحاها

  تُرَفِّعُ فَضْلَ سابِغَةٍ دِلاصٍ * على خَيْفانَةٍ خَفِقٍ حَشاها

  وتَسْعَى حينَ تَشْتَجِرُ العَوالي * بكأسِ المَوْتِ ساعَةَ مُصْطَلاها

  مُحافَظَةً ومُحْمِيَةً إذا ما * نَبا بالقَوْمِ من جَزَعٍ لظاها

  فتترُكُها قدِ اضطَرَمَتْ بطَعْنٍ * تَضَمّنَهُ إذا اخْتَلَفَتْ كُلاها

  فمَنْ للضّيْفِ إنْ هَبّتْ شَمالٌ * مُزَعْزِعَةٌ تُجاوِبها صَباها

  وألجا بَرْدُها الـأشوالَ حُدْباً * إلى الحُجُراتِ بادِيَةً كُلاها

  هنالِكَ لوْ نَزَلْتَ بآلِ صَخْرٍ * قِرى الـأضيافِ شَحْماً من ذراها

  فلمْ أمْلِكْ غداةَ نَعيّ صَخْرٍ * سوابِقَ عَبْرَةٍ حَلَبَتْ صَرَاها

  أمُطعِمَكُمْ وحامِلَكُمْ ترَكتمْ * لَدَى غَبْرَاءَ مُنْهَدِمٍ رَجاها

  ليَبْكِ علَيْكَ قوْمُكَ للمَعالي * وللـهَيْجاءِ إنّكَ ما فَتاها

  وقد فَقَدَتْكَ طَلقَةُ فاسترَاحتْ * فلَيْتَ الخَيْلَ فارِسُها يَرَاها

**********

مَنْ حَسّ لي الـأخَوَينِ * كالغُصْنَينِ أوْ مَن راهُما

  أخَوَينِ كالصّقْرَينِ لَمْ * يَرَ ناظِرٌ شَرْواهُما

  قَرْمَينِ لا يَتَظالَمَانِ * ولا يُرامُ حِماهُمَا

  أبْكي عَلى أخَوَيّ * بالقبرِ الذي واراهُمَا

  لا مِثْلَ كهلي في الكُهُولِ * ولا فَتًى كَفتَاهُمَا

  رُمْحَيْنِ خَطّيّينِ * في  كَبِدِ السّماءِ سَناهُمَا

  مَا خَلّفَا إذْ وَدّعَا * في سُؤدُدٍ شَرْواهُمَا

  سَادا بِغَيرِ تَكَلّفٍ * عَفْواً بفَيْضِ نَداهُمَا

**********

ألا أيّها الدّيكُ المُنادي بِسَحْرَةٍ * هَلُمّ كذا أُخْبرْكَ ما قَدْ بَدالِيَا

  بَدَا ليَ أنّي قَدْ رُزِئْتُ بفِتْيَةٍ * بَقِيّةِ قَوْمٍ أوْرَثوني المَباكِيَا

  فلَمّا سَمِعْتُ النّائِحاتِ يَنُحْنَهُ * تَعَزّيْتُ واسْتَيْقَنْتُ أن لا أخالِيَا

  كصَخْرِ ابنِ عَمْرٍ من قَد علمتُه * وكيفَ أُرَجّي العيشَ? ضَلّ ضَلالِيَا

  وما ليَ لا أبْكي على مَن لوَ انّهُ * تَقَدّمَ يَوْمي قَبْلَهُ لَبَكَى لِيَا

  وإنْ تُمْسِ في قَيْسٍ وزَيْدٍ وعامرٍ * وغَسّانَ لم تَسمَعْ لـهُ الدّهرَ لاحِيَا

**********

لَهْفي على صَخْرٍ فإنّي أرَى لَهُ * نَوافِلَ مِنْ مَعْرُوفِهِ قد تَوَلّتِ

  وَلَهْفي على صَخْرٍ لقد كان عِصْمَةً * لمولاهُ إنْ نَعْلٌ بمولاهُ زَلّتِ

  يَعُودُ على مَوْلاهُ مِنْهُ برَأفَةٍ * إذا ما الموالي من أخيها تَخَلّتِ

  وكنتَ إذا كَفٌّ أتَتْكَ عَديمَةً * تُرَجّي نَوَالاً مِنْ سَحابِكَ بُلّتِ

  وَمُخْتَنِقٍ راخى ابنُ عمرٍو خِناقَهُ * وَغُمّتَهُ عَن وَجْهِهِ فتَجَلّتِ

  وظاعِنَةٍ في الحَيّ لَوْلا عَطاؤهُ * غَداةَ غَدٍ مِنْ أهلِها ما استَقَلّتِ

  وكُنْتَ لَنا عَيْشاً وَظِلَّ رَبَابَةٍ * إذا نحنُ شِئْنا بالنّوالِ استَهَلّتِ

  فتًى كانَ ذا حِلْمٍ أصيلٍ وتُؤدَةٍ * إذا ما الحُبَى من طائفِ الجهلِ حُلّتِ

  وما كَرّ إلاّ كانَ أوّلَ طاعِنٍ * ولا أبْصَرَتْهُ الخيلُ إلاّ اقْشَعَرّتِ

  فيُدْرِكُ ثأراً ثمّ لم يُخطِهِ الغِنى * فمِثْلُ أخي يَوْماً بِهِ العَينُ قَرّتِ

  فإنْ طَلَبُوا وِتْراً بَدا بِتِرَاتِهِمْ * وَيَصْبِرُ يَحْميهِمْ إذا الخَيلُ وَلّتِ

  فَلَستُ أُرَزَّا بَعْدَهُ برَزِيّةٍ * فأذْكُرَهُ إلاّ سَلَتْ وَتَجَلّتِ

**********

أرَى الدّهْرَ أفْنى معشري وبني أبي * فأمْسَيْتُ عَبرَى لا يجِفّ بُكائِيَا

  أيا صَخْرُ هل يُغني البُكاءُ أوِ الـأسَى * على مَيّتٍ بالقبرِ أصْبَحَ ثاوِيَا

  فلا يُبْعِدَنّ اللَّهُ صَخْراً وعَهْدَهُ * ولا يُبْعِدَنّ اللَّهُ رَبّي مُعاوِيَا

  ولا يُبْعِدَنّ اللَّهُ صَخْراً فإنّهُ * أخُو الجُودِ يَبْني للفَعالِ العَوالِيَا

  سَأبْكيهِما واللَّهِ ما حَنّ وَالِهٌ * وما أثْبَتَ اللَّهُ الجِبالَ الرّواسِيَا

  سَقَى اللَّهُ أرْضاً أصْبحتْ قد حوَتْهُما * منَ المُسْتَهِلاّتِ السّحابَ الغَواديا

**********

ألا لا أرى في النّاسِ مثْلَ مُعاوِيَهْ * إذا طَرَقَتْ إحْدَى اللّيالي بِداهِيَهْ

  بداهِيَةٍ يَصْغَى الكِلابُ حَسيسَها * وتخرُجُ منْ سِرّ النّجيّ عَلانِيَهْ

  ألا لا أرَى كالفارِسِ الوَرْدِ فارِساً * إذا ما عَلَتْهُ جُرْأةٌ وعَلانِيَهْ

  وكانَ لِزازَ الحَرْبِ عندَ شُبوبِها * إذا شَمّرَتْ عن ساقِها وهيَ ذاكيَهْ

  وقَوّادَ خَيْلٍ أخْرَى كَأنّها * سَعالٍ وعِقْبانٌ عَلَيْها زَبانِيَهْ

  بَلينَا وما تَبْلى تِعارٌ وما تُرَى * على حَدَثِ الـأيّامِ إلاّ كَما هِيَهْ

  فأقسَمْتُ لا يَنفَكّ دمعي وعَوْلَتي * عَلَيْكَ بحزْنٍ ما دَعا اللَّهَ داعِيَهْ

**********

أبِنْتُ صَخْرٍ تلكُما الباكِيَهْ * لا باكيَ اللّيْلَةَ إلاّ هِيَهْ

  أوْدَى أبو حَسّانَ واحَسْرَتَا! * وكانَ صَخْرٌ مَلِكَ العالِيَهْ

  وَيْلايَ! ما أُرْحَمُ وَيْلاً لِيَهْ * إذْ رَفَعَ الصّوْتَ النّدَى الناعِيَهْ

  كَذّبْتُ بالحَقّ وقد رابَني * حتى عَلَتْ أبْياتَنا الواعِيَهْ

  بالسّيّدِ الحُلْوِ الـأميِ الّذي * يَعْصِمنا في السّنَةِ الغادِيَهْ

  لكِنّ بَعْضَ القَوْمِ هَيّابَةٌ * في القوْمِ لا تَغبِطهُ البادِيَهْ

  لا يَنْطِقُ العُرْفَ ولا يَلْحَنُ * العَزْفَ ولا يَنْفُذُ بالغازِيَهْ

  إنْ تُنْصَبِ القِدْرُ لَدَى بَيْتِهِ * فغَيْرُها يَحْتَضِرُ الجادِيَهْ

  لكِنْ أخي أرْوَعُ ذُو مِرّةٍ * مِنْ مِثْلِهِ تَسْتَرْفِدُ الباغِيَهْ

  لا يَنْطِقُ النُّكْرَ لدى حُرّةٍ * يَبْتارُ خالي الـهَمّ في الغاوِيَهْ

  إنّ أخي لَيسَ بتَرْعِيّةٍ * نِكْسٍ هواءِ القَلبِ ذي ماشيَهْ

  عَطّافُهُ أبيَضُ ذو رَوْنَقٍ * كالرَّجْعِ في المُدْجِنَةِ السّارِيَهْ

  فَوْقَ حَثيثِ الشدّ ذو مَيْعَةٍ * يَقْدُمُ أُولى العُصَبِ الماضيَهْ

  لا خَيرَ في عَيشٍ وإنْ سَرّنا * والدّهْرُ لا تَبْقَى لَهُ باقِيَهْ

  كلُّ امْرِىءٍ سُرّ بهِ أهْلُهُ * سوْفَ يُرَى يَوْماً على ناحِيَهْ

**********

ألا يا عينِ فانْهَمِري وقَلّتْ * لِمَرْزِئَةٍ أُصِبْتُ بها تَوَلّتْ

  لِمَرْزِئَةٍ كَأنّ النّفْسَ منها * بُعَيْدَ النّوْمِ تُشْعَلُ يوْمَ غُلّتْ

  ألا يا عَينُ وَيْحَكِ أسْعِديني * فقد عَظُمَتْ مُصيبَتُهُ وجلّتْ

  مُصِيبَتُهُ عَليّ وَرَوّعَتْني * فقَدْ خَصّتْ مصيبَتُهُ وعَمّتْ

  لوَ أنّ الكَفّ تُقْبَلُ في فِداهُ * بَذَلْتُ يَدي اليَمينَ لـهُ فَشَلّتْ

  كَما وَالى علَيَيْنا مِنْ نَداهُ * وشادَ لَنا المَكارِمَ فاستَهَلّتْ

  فلَمْ يَنزِعْ  وما قَصُرَتْ يَداهُ * وَلمْ يَبْلُغْ ثَنائي حَيثُ حَلّتْ

**********

الشنفري

إنَّ بالشِّعْبِ الذي دُونَ سَلْعٍ * لَقَتِيلاً دَمُهُ ما يُطَلُّ

  خَلَّفَ العِبْءَ عَلَيَّ  وَوَلَّى * أنا بالعِبْءِ لَهُ مُسْتَقِلُّ

  وَوَرَاءَ الثَّأْرِ مِنِّي ابنُ أُخْتٍ * مَصِعٌ عُقْدَتُهُ ما تُحَلُّ

  مُطْرِقٌ يَرْشَحُ مَوْتا كَما أَطْ * رَقَ أَفْعَى يَنْفُثُ السُّمَّ صِلُّ

  خَبَرٌ ما نابَنا مُصْمَئِلُّ * جَلَّ حَتَّى دَقَّ فِيهِ الـأَجَلُّ

  بَزنَّي الدَّهْرُ وكانَ غَشُوما * بأَبيٍّ جارُهُ ما يُذَلُّ

  شامِسٌ في القُرِّ حَتّى إذا ما * ذَكَتِ الشِّعْرَى فَبَرْدٌ وَطَلُّ

  يابِسُ الجَنْبَيْنِ ـ مِنْ غَيْرِ بُؤْسٍ * وَنَدِيُّ الكَفَّيْنِ  شَهْمٌ  مُدِلُّ

  ظاعِنٌ بالحَزْمِ  حَتَّى إذا ما * حَلَّ حَلَّ الحَزْمُ حَيْثُ يَحُلُّ

  غَيْثُ مُزْنٍ غَامِرٌ حَيْثُ يُجْدِي * وَإذا يَسْطو فَلَيْثٌ أَبَلُّ

  مُسْبِلٌ في الحَيِّ  أَحْوَى  رِفَلُّ * وإذا يَغْزو فَسِمْعٌ أَزَلُّ

  وَلَهُ طَعْمانِ: أَرْيٌ وَشَرْيٌ * وكِلا الطَّعْمَيْنِ قَدْ ذَاقَ كُلُّ

  يركَبُ الـهَوْلَ وَحِيدا * ولا يَصْحَبُهُ إلاّ اليَمانيُّ الـأَفَلُّ

  وفُتُّوٍّ هَجَّروا ثُمَّ أَسْرُوا * لَيْلَهم حَتَّى إذا ما انْجَابَ حَلُّوا

  كُلُّ ماضٍ قَدْ تردَّى بِماضٍ * كَسَنا البَرْقِ إذا ما يُسَلُّ

  فَاحْتَسَوا أَنْفاسَ نَوْمٍ فَلَمّا * ثمِلُوا رُعْتُهُمُ فاشْمَعَلُّوا

  فادَّرَكْنَا الثَّأْرَ مِنْهُمْ وَلَمّا * يَنْجُ مِلْحَيَّيْنِ إلاّ الـأَقَلُّ

  فَلَئِنْ فَلَّتْ هُذَيْلٌ شَبَاهُ * لَبِما كانَ هُذَيلاً يَفُلُّ

  وبما أَبْرَكَهُمْ في مُناخٍ * جَعْجَعٍ يَنْقَبُ فيهِ الـأَظَلُّ

  وبما صَبَّحَها في ذُراها * مِنْهُ  بَعْدَ القَتْلِ  نَهْبٌ  وَشَلُّ

  صَلِيَتْ مِنِّي هُذَيْلٌ بِخِرْقٍ * لا يَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى يَمَلُّوا

**********

الطفيل الغنوي

ولم أر هالِكاً من أهل نجدٍ * كَزَرعَة يَوم قَام بِه النَّواعي

  أتـمَّ شبيبةً وأعـزَّ فقداً * على المَولىَ وأكرمَ في المساعي

  وأغـزَر نائِـلاً لمن اجتَداه * من العَافِينَ والـهَلكَى الجِياعِ

  وأكثَرَ رِحلةً لطريق مجد * على أقتَاد دِعِلَبةٍ وقاعِ

  وأَقْوَل للتي نَبَذت بنيها * وقد رَأتِ السَوابِقَ : لا تُراعِي

  لقد أردَى الفوارِسُ يوم نًجدٍ * غُلاماً غَيرَ منَّاع المتَاعِ

  ولا فرِحاً بِخَيْر إن أتاه * ولا جَزِعاً من الحَدثَانِ لاعِ

  ولا وقَّافَةٌ والخيل تَردِي * ولا خالٍ كأنبُوبِ اليراعِ

  شَهيدي بالذي قد قُلتُ فيه * بَنُو بَكرٍ وحَيُّ بَني الرّواعِ

**********

العباس بن مرداس

أبَعْدَ عِمَارَ الخَيْرِ نرجُو سَلامَةً * وقد بَتَكَتْ اَرَابُهُ ومَفَاصِلُهْ

  فلا وَضَعَتْ عِنْدي حَصَانٌ خِمَارَها * ولا ظَفِرَتْ كَفِّي بقِرْنٍ أُنَازِلُهْ

  لإَنْ لم أزُرْ خَوْلاَنَ في عَقْرِ دَارِهَا * بأرْعَنَ رجَّافٍ تُزَجَّى قَنَابلُهْ

  وأشْفِي غَلِيلي من سَرَاةِ قُضَاعةٍ * وكلُّ صَقِيلٍ يملـأُ الكَفَّ حَامِلُهْ

  فمَنْ مُبْلِغٌ عَمْرو بنَ عَوْفٍ رسَالةً * ويَعْلَى بنَ سَعْدٍ من ثَؤُورٍ يُرَاسِلُهْ

  بأنِّي سَأرْمِي الحَقْلَ يوماً بغَارةٍ * لـها مَنْكِبٌ حَانٍ تُدَوِّي زَلازِلُهْ

  وعَمُرو بنُ عَوْفٍ كانَ هَمِّي ومُنْيَتِي * إذا كانَ لي يوماً قَرِينٌ أُنَازِلُهْ

  أقَامَ بدَارِ الغَوْرِ في شَرِّ مَنْزِلٍ * وخَلَّى بياضَ الحَقْلِ يَزْهُرُ خَامِلُهْ

**********

المهلهل بن ابي ربيعه

أَهَاجَ قَذَاءَ عَيْنِي الإِذكَارُ * هُدُوّاً فَالدُّمُوعُ لَهَا انْحِدَارُ

  وَصَارَ اللَّيْلُ مُشْتَمِلاً عَلَيْنَا * كَأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ لَهُ نَهَارُ

  وَبِتُّ أُرَاقِبُ الْجَوْزَاءَ حَتَّى * تَقَارَبَ مِنْ أَوَائِلِها انْحِدَارُ

  أُصَرفُ مُقْلَتِي فِي إِثْرِ قَوْمٍ * تَبَايَنَتِ الْبِلاَدُ بِهِمْ فَغَارُوا

  وَأَبْكِي وَالنُّجُومُ مُطَلعَاتٌ * كَأَنْ لَمْ تَحْوِهَا عَني الْبِحَارُ

  عَلَى مَنْ لَوْ نُعيت وَكَانَ حَيّاً * لَقَادَ الخَيْلَ يَحْجُبُهَا الغُبَارُ

  دَعَوْتُكَ يَا كُلَيْبُ فَلَمْ تُجِبْنِي * وَكَيْفَ يُجِيبُنِي الْبَلَدُ القِفَارُ

  أَجِبْنِي يَا كُلَيْبُ خَلاَكَ ذَمٌّ * ضَنِينَاتُ النُّفُوسِ لَهَا مَزَارُ

  أَجِبْنِي يَا كُلَيْبُ خَلاَكَ ذَمٌّ * لَقَدْ فُجِعَتْ بِفَارِسِهَا نِزَارُ

  سَقَاكَ الْغَيْثُ إِنَّكَ كُنْتَ غَيْثاً * وَيُسْراً حِينَ يُلْتَمَسُ الْيَسَارُ

  أَبَتْ عَيْنَايَ بَعْدَكَ أَنْ تَكُفَّا * كَأَنَّ غَضَا الْقَتَادِ لَهَا شِفَارُ

  وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْلُمُ عَنْ رِجَالٍ * وَتَعْفُو عَنْهُمُ وَلَكَ اقْتِدَارُ

  وَتَمْنَعُ أَنْ يَمَسَّهُمُ لِسَانٌ * مَخَافَةَ مَنْ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ

  وَكُنْتُ أَعُدُّ قُرْبِي مِنْكَ رِبْحاً * إِذَا مَا عَدَّتِ الربْحَ التجَارُ

  فَلاَ تَبْعَدْ فَكُلٌّ سَوْفَ يَلْقَى * شَعُوباً يَسْتَدِيرُ بِهَا الْمَدَارُ

  يَعِيشُ المَرْءُ عِنْدَ بَنِي أَبِيهِ * وَيُوشِكُ أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ صَارُ

  واأَرَى طُولَ الْحَيَاةِ وَقَدْ تَوَلَّى * كَمَا قَدْ يُسْلَبُ الشَّيْءُ

  المُعَارُكَأَنِّي إذْ نَعَى النَّاعِي كُلَيْباً * تَطَايَرَ بَيْنَ جَنْبَيَّ الشَّرَارُ

  فَدُرْتُ وَقَدْ عَشِي بَصَرِي عَلَيْهِ * كَمَا دَارَتْ بِشَارِبِهَا العُقَارُ

**********

أَلَيْلَتَنَا بِذِي حُسُمٍ أَنِيري * إِذَا أَنْتِ انْقَضَيْتِ فَلاَ تَحُورِي

  فَإِنْ يَكُ بِالذَّنَائِبِ طَالَ لَيْلِي * فَقَدْ أَبْكِي مِنَ الْلَّيْلِ الْقَصِير

  ِوَأَنْقَذَنِي بَيَاضُ الصُّبْحِ مِنْهَا * لَقَدْ أُنْقِذْتُ مِنْ شَرٍّ كَبِيرِ

  كَأَنَّ كَوَاكِبَ الجَوْزَاءِ عُوْدٌ * مُعَطَّفَةٌ عَلَى رَبْعٍ كَسِيرٍ

  كَأَنَّ الْفَرْقَدَيْنِ يَدَا بَغِيضٍ * أَلَحَّ عَلَى إَفَاضَتِهِ قَمِيرِ

  أَرِقْتُ وَصَاحِبِي بِجَنُوبِ شِعْبٍ * لِبَرْقٍ فِي تَهَامَةَ مُسْتَطِيرِ

  فَلَوْ نُبِشَ المَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ * فَيَعْلَمَ بالذَّنَائِبِ أَيُّ زِير

  ِبِيَوْمِ الشّمَعْثَيْنِ أَقَرَّ عَيْناً * وَكَيْفَ لِقَاء مَنْ تَحْتَ الْقُبُورِ

  وَأَني قَدْ تَرَكْتُ بِوَارِدَاتٍ * بُجَيْراً فِي دَمٍ مِثْلِ الْعَبِيرِ

  هَتَكْتُ بِهِ بُيُوتَ بَنِي عُبَادٍ * وَبَعْضُ الغَشْمِ أَشْفَى لِلصُّدُورِ

  عَلَى أَنْ لَيْسَ يُوفَى مِنْ كُلَيْبٍ * إِذَا بَرَزَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُور

  نُبِئتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ * وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ المَجْلِسُوَ

  تَكَلَّمُوا في أَمْرِ كُل عَظِيمَةٍ * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهُمْ بِهَا لَمْ يَنْبِسُوا

**********

لَمَّا نَعَى النَّاعِي كُلَيْباً أَظْلَمَتْ * شَمْسُ النَّهِارِ فَمَا تُرِيدُ طُلُوعَا

  قَتَلُوا كُلَيْباً ثُمَّ قَالُوا أَرْتِعُوا * كَذَبُوا لَقَدْ مَنَعُوا الْجِيَادَ رُتُوعَا

  كَلاَّ وَأَنْصَابٍ لَنَا عَادِيَّةٍ * مَعْبُودَةٍ قَدْ قُطعَتْ تَقْطِيعَا

  حَتَّى أُبِيدَ قَبِيلةً وَقَبِيلَةً * وَقَبِيلَةً وَقَبِيلَتَيْنِ جَمِيعَاوَتَذُوقَ

  حَتْفاً آلُ بَكْرٍ كُلُّها * وَنَهُدُّ مِنْهَا سَمْكَهَا الْمَرْفُوعَا

  حَتَّى نَرَى أَوْصَالَهُمْ وَجَمَاجِماً * مِنْهُمْ عَلَيْهَا الخَامِعَاتُ وُقُوعَا

  وَنَرى سِبَاعَ الطَّيْرِ تَنْقُرُ أَعْيُناً * وَتَجُرُّ أَعْضَاءً لَهُمْ وَضُلُوَعا

  وَالْمَشْرَفِيَّةَ لاَ تُعَرجُ عَنْهُمُ * ضَرْباً يَقُدُّ مَغَافِراً وَدُرُوعَا

  وَالْخَيْلَ تَقْتَحِمُ الْغُبَارَ عَوَابِساً * يَوْمَ الْكَرِيهَةِ مَا يُرِدْنَ رُجُوعَا

**********

إنَّ تَحْتَ الـأَحْجَارِ حَزْماً وَعَزْمَا * وَقَتِيلاً مِنَ الـأَرَاقِمِ كَهْلاَ

  قَتَلَتْهُ ذُهْلٌ فَلَسْتُ بِرَاضٍ * أَوْ نُبِيدَ الْحَيَّيْنِ قَيْساً وَذُهْلاَ

  وَيَطِيرَ الْحَرِيقُ مَنَّا شَرَاراً * فَيَنَالَ الشَّرَارُ بَكْراً وَعِجْلاً

  قَدْ قَتَلْنَا بِهِ وَلاَ ثَأْرَ فِيهِ * أَوْ تَعُمَّ السُّيُوفُ شَيْبَانَ قَتْلاَ

  ذَهَبَ الصلح أَوْ تَرُدُّوا كُلَيْباً * أَوْ تَحُلُّوا عَلَى الْحُكُومَةِ حَلاَّ

  ذهب الصلح أو تَردُوا كليبا * أو أُذيقَ الغداة سيبان ثُكْلاَ

  ذَهَبَ الصُّلْحُ أَوْ تَرُدُّوا كُلَيْباً * أَوْ أُذِيقَ الْغَدَاةَ شَيْبَانَ ثُكْلاَ

  ذَهَبَ الصُّلْحُ أَوْ تَرُدُّوا كُلَيْباً * أَوْ تَنَالَ العُدَاةُ هَوْناً وَذُلاَّ

  ذَهَبَ الصُّلْحُ أَوْ تَرُدُّوا كُلَيْباً * أَوْ تَذُوقُوا الوَبَالَ وِرْداً وَنَهْلاَ

  ذَهَبَ الصُّلْحُ أَوْ تَرُدُّوا كُلَيْباً * أَوْ تَمِيلُوا عَنِ الْحَلاَئِلِ عُزْلاَ

  أَوْ أَرَى الْقَتْلَ قَدْ تَقَاضَى رِجالاً * لَمْ يَميلوُا عَنِ السَّفاهَةِ جَهْلاً

  إن تحت الـأحجار والترب منه * لَدَفيناً عَلاَ عَلاَءً وَجَلاً

  عَزَّ وَاللّهِ يَا كُلَيْبُ عَلَيْنَا * أَنْ تَرَى هَامَتِي دِهَاناً وَكُحْلاً

**********

بَاتَ لَيْلِي بِالـأَنْعَمَيْنِ طَوِيلاَ * أَرْقُبُ النَّجْمَ سَاهِراً لَنْ يَزُولاَ

  كَيْفَ أُمْدِي وَلاَ يَزَالُ قَتِيلٌ * مِنْ بَنِي وَائِلٍ يُنَادِي قَتِيلاً

  أَزْجُرُ الْعَيْنَ أَنْ تُبَكِّي الطُّلُولاَ * إِنَّ فِي الصَّدْرِ مِنْ كُلَيْبٍ غَلِيلا

  إنَّ فِي الصَّدْرِ حَاجَةً لَنْ تُقَضَّى * مَا دَعَا فِي الغُضُونِ دَاعٍ هَدِيلاَ

  كَيْفَ أَنْسَاكَ يَا كُلَيْبُ وَلَمَّا * أَقْضِ حُزْناً يَنُوبُنِي وَغَلِيلاَ

  أَيُّهَا الْقَلْبُ أَنْجِزِ الْيَوْمَ نَحْباً * مِنْ بَنِي الحِصْنِ إذْ غَدَوْا وَذُخُولاَ

  كَيْفَ يَبْكِي الطُّلُولَ مَنْ هُوَ رَهْنٌ * بِطِعَانِ الـأَنَامِ جِيلاً فَجِيلاَ

  أَنْبَضُوا مَعْجِسَ الْقِسِيِّ وَأَبْرَقْـ * ـنَا كَمَا تُوعِدُ الْفُحُولُ الفُحُولاَ

  وَصَبَرْنَا تَحْتَ الْبَوارِقِ حَتَّى * رَكَدَتْ فيْهِمِ السُّيُوفُ طَوِيلاَ

  لَمْ يُطِيقُوا أَنْ يَنْزِلُوا وَنَزَلْنَا * وَأَخُو الْحَرْبِ مَنْ أَطَاقَ النُّزُولاَ

**********

كُلَيْبُ لاَ خَيْرَ في الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا * إنْ أَنْتَ خَلَّيْتَهَا فِي مَنْ يُخَلِّيهَا

  كُلَيْبُ أَيُّ فَتَى عِزٍّ وَمَكْرُمَةٍ * تَحْتَ السَّفَاسِفِ إذْ يَعْلُوكَ سَافِيهَا

  نَعَى النُّعَاةُ كُلَيْباً لِي فَقُلْتُ لَهُمْ * مَادَتْ بَنَا الـأَرْضُ أَمْ مَادَتْ رَوَاسِيها

  لَيْتَ السَّمَاءَ عَلَى مَنْ تَحْتَهَا وَقَعَتْ * وَحَالَتِ الـأَرْضُ فَانْجَابَتْ بِمَنْ فِيهَا

  أَضْحَتْ مِنَازِلُ بِالسُّلاَّنِ قَدْ دَرَسَتْ * تَبْكِي كُلَيْباً وَلَمْ تَفْزَعْ أَقَاصِيهَا

  الْحَزْمُ وَالْعَزْمُ كَانَا مِنْ صَنِيعَتِهِ * مَا كُلَّ آلاَئِهِ يَا قَوْمُ أُحْصِيهَا

  القَائِدُ الْخَيْلَ تَرْدِي فِي أَعِنَّتَهَا * زَهْوَاً إذَا الْخَيْلُ بُحَّتْ فِي تَعَادِيها

  النَّاحِرُ الْكُومَ مَا يَنْفَكُّ يُطْعِمُهَا * وَالْوَاهِبُ المِئَةَ الْحَمْرَا بِرَاعِيهَا

  مِنَ خَيْلِ تَغْلِبَ مَا تُلْقَى أَسِنَّتُهَا * إِلاَّ وَقَدْ خَضَّبَتْهَا مِنْ أَعَادِيهَا

  قَدْ كَانَ يَصْبِحُهَا شَعْوَاءَ مُشْعَلَةً * تَحْتَ الْعَجَاجَةِ مَعْقُوداً نَوَاصِيهَا

  تَكُونُ أَوَّلَهَا فِي حِينِ كَرَّتِهَا * وأَنْتَ بِالْكَرِّ يَوْمَ الْكَرِّ حَامِيهَا

  حَتَّى تُكَسِّرَ شَزْراً فِي نُحُورِهِمِ * زُرْقَ الـأَسِنَّةِ إِذْ تُرْوَى صَوَادِيهَا

  أَمْسَتْ وَقَدْ أوْحَشَتْ جُرْدُ بِبَلْقَعَةٍ * لِلْوَحْشِ مِنها مَقِيلٌ فِي مَرَاعِيهَا

  يَنْفُرْنَ عَنْ أُمِّ هَامَاتِ الرِّجَالِ بِهَا * وَالْحَرْبُ يَفْتَرِسُ الـأَقْرَانَ صَالِيهَا

  يُهَزْهِزُونَ مِنَ الْخَطِّيِّ مُدْمَجَةً * كُمْتاً أَنَابِيبُها زُرْقاً عَوَالِيهَا

  نَرْمي الرِّمَاحَ بَأَيْدِينَا فَنُورِدُهَا * بِيضاً وَنُصْدِرُهَا حُمْراً أَعَالِيهَا

**********

النابغة الذبياني

دعاكَ الـهوَى واستَجهَلَتكَ المنازِلُ * وكيفَ تَصابي المرء والشّيبُ شاملُ

  وقفْتُ برَبْعِ الدّارِ قد غَيّرَ البِلى * مَعارِفَها والسّارِياتُ الـهواطِلُ

  أسائلُ عن سُعدى وقد مرّ بعدَنا * على عَرَصاتِ الدّارِ سبعٌ كوامِلُ

  فسَلّيتُ ما عندي برَوحةِ عِرْمِسٍ * تخُبّ برَحْلي تارَةً وتُناقِلُ

  مُوثَّقَةِ الـأنساءِ مَضبورَةِ القَرا * نَعوبٍ إذا كَلّ العِتاقُ المَراسِلُ

  كأني شَددَتُ الرّحلَ حينَ تشذّرَتْ * على قارحٍ ممّا تَضَمّنَ عاقِلُ

  أقَبّ كعَقدِ الـأندَريّ مُسَحَّجٍ * حُزابِيةٍ قد كَدمَتْهُ الَمساحِلُ

  أضَرّ بجَرْداءِ النُّسالَةِ سَمْحَج * يُقَلّبُها إذ أعوزَتَهُ الحَلائِلُ

  إذا جاهَدتَهُ الشّدّ جَدّ وإنْ وَنَتْ * تَساقَطَ لا وانٍ ولا مُتَخاذِلُ

  وإنْ هَبَطا سَهْلاً أثارا عَجاجَةً * وإنّ عَلَوَا حَزْناً تَشَظّتْ جَنادِلُ

  ورَبِّ بني البَرْشاءِ: ذُهْلٍ وقَيسِها * وشَيبْانَ  حيثُ استَبهَلتَها المَنازِلُ

  لقد عالَني ما سَرّها  وتَقَطّعَتْ * لرَوعاتِها  مني القُوى والوَسائِل

  فلا يَهنىء الـأعداءَ مصرَعُ مَلْكِهِمْ * وما عَتَقَتْ منهُ تَميمٌ ووائِلُ

  وكانتْ لـهُمْ رِبْعيّةٌ يَحذَرُونَها * إذا خَضْخَضَتْ ماءَ السّماءِ القبائِلُ

  يسيرُ بها النّعمانُ تغَلي قُدُورُهُ * تَجيشُ بأسبابِ المَنايا المَراجِلُ

  يَحُثّ الحُداةَ  جالِزاً برِدائِهِ * يَقي حاجِبَيْهِ ما تُثيرُ القنابلُ

  يقولُ رجالٌ يُنكِرونَ خليقَتي: * لَعلّ زياداً  لا أبا لكَ  غافِلُ

  أبَى غَفْلتي أني إذا ما ذكَرْتُهُ * تَحَرّكَ داءٌ  في فؤاديَ  داخِلُ

  وأنّ تِلادي إنّ ذكَرْتُ وشِكّتي * ومُهري وما ضَمّتْ لديّ الـأنامِلُ

  حِباؤكَ  والعِيسُ العِتاقُ كأنّها * هِجان الَمها  تُحدى عليها الرّحائل

**********

ماذا رُزِئْنا بهِ من حَيّةٍ ذكَرٍ * نَضناضَةٍ بالرّذايا صِلِّ أصلالِ

  لا يهنىءِ النّاسَ ما يَرْعونَ من كلإٍ * وما يَسوقونَ من أهْلٍ ومِنْ مالِ

  بعدَ ابنِ عاتِكةَ الثّاوي على أبَوَى * أضحى ببلدةٍ لا عَمٍّ ولا خالِ

  سهلِ الخليقةِ مَشّاءٍ بأقدُمِهِ * إلى ذواتِ الذّرى حمّالِ أثْقالِ

  حسبُ الخليلينِ نأيُ الـأرضِ بينهما * هذا عليها وهذا تحتَها بالي

**********

امريء القيس

ثَوَى عِندَ الوَدِيّةِ جَوْفَ بُصرَى * أبُو الـأيْتَامِ وَالكَلِّ العِجَافِ

  فَمَنْ يَحْمي المُضافَ إذا دَعَاهُ * ويَحمِلُ خُطّةَ الـأنَسِ الضِّعَافِ

**********

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذ خَطِئنَ كاهِلا * القاتِلِينَ المَلِكَ الحُلاحِلا

  خَيرَ مَعَدٍّ حَسَباً وَنَائِلا * وَخَيرَهُمْ قَدْ عَلِمُوا شمائِلا

  نَحْنُ جَلَبْنَا القُرَّحَ القَوَافِلا * تَاللـه لا يَذهَبُ شَيخي بَاطِلا

  يَحْمِلْنَنَا وَالـأسَلَ النَّوَاهِلا * وَحَيَّ صَعْبٍ وَالوَشِيجَ الذّابِلا

  مستنفرات بالحَصَى جَوَافلا * يَسْتَشْرِفُ الـأوَاخِرُ الـأوَائِلا

**********

ألا يَا عَينِ! بكّي لي شَنِينَا * وَبَكّي لي المُلُوكَ الذّاهِبِينا

  مُلُوكاً من بَني حُجْرِ بنِ عَمرٍو * يُسَاقُونَ العَشِيّةَ يُقْتَلُونا

  فَلَوْ في يَوْمٍ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا * وَلَكِنْ في دِيَارِ بَني مَرِينا

  فلمْ تُغسَلْ جَماجمُهمْ بغُسلٍ * وَلَكِنْ في الدّمَاءِ مُرَمَّلِنَا

  تَظَلُّ الطّيرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ * وَتَنْتَزِعُ الحَوَاجِبَ وَالعُيُونا

**********

بشر بن ابي حازم الأسدي

أَمْسَى سُمَيْرٌ قَدْ بَانَ فانْقَطَعا * يا لَهْفَ نَفْسي لِبَيْنِهِ جَزَعَا

  قُوما فَنُوحَا في مَأْتَمٍ صَحِلِ * عَلَى سُمَيْرِ النَّدَى وَلاَ تَدَعَا

  ثمَّ انْدُباهُ لِكُلِّ مَكرُمَةٍ لا مُسْنَداً * عاجِزاً ولا وَرَعَا

  كانَ لَنَا باذِخاً نَلُوذُ بِهِ أَمْسَى * رَمَاهُ الزَّمانُ فاتَّضَعَا

  وَكُلُّ نَفْسِ امْرِىءٍ وإنْ سَلِمَتْ يوماً * سَتَحْسُو لِمِيتَةٍ جُرَعَا

  ايَّتُها النَّفْسُ اجَّمِلِي جَزَعَا * إنَّ الَّذي تَحْذَرِينَ قَدْ وَقَعَا

  إنَّ الَّذي جَمَّعَ المُرُوَءَةَ والـ * ـنَّجْدَةَ والبِرَّ والتُّقَى جُمَعَا

  والحافِظَ النَّاسَ في القُحُوطِ * إذا لَمِ يُرْسِلُوا تَحْتَ عائِذٍ رُبَعَا

  وَهَبَّتِ الشَّمْأَلُ البَلِيلُ * وَقَدْ أَضْحَى كَمِيعُ الفَتاةِ مُلْتَفِعا

  عامَ تَرَى الكاعِبَ المُنَعَّمَةَ الـ * ـحَسْنَاءَ في دارِ أَهْلِهَا سَبُعَا

  المُخْلِفَ المُتْلِفَ المُفِيدَ * إذا قالَ فَلاَ عائِبٌ لِمَا صَنَعَا

  القائِلَ الفاعلَ المُرَزَّأَ لم * يُدْرَكْ بضَعْفٍ  ولم يَمُتْ طَبَعَا

  والقَائِدَ الخَيْل في المفازَةِ والـ * ـجَدْبِ يُسَاقُونَ خِلْفَةً سَرَعَا

  اللاّبِسَ الخَيْلَ في العَجَاجَةِ بالـ * خَيْلِ تَسَاقَى سِمَامَها نُقَعَا

  أَوْدَى فَلاَ تَنْفَعُ الإشاحَةُ مِنْ أَمْرٍ * لِمَنْ قَدْ يُحَاوِلُ البِدَعَا

  لِيَبْكِكَ الضَّيْفُ والمَجَالِسُ والـ * ـحَيُّ المُخَوِّي وَطَامِعٌ طَمِعَا

  وذَاتُ هِدْمٍ بادٍ نَوَاشِرُها * تُصْمِتُ بالماءِ تَوْلَباً جَدِعا

  إذْ شُبِّهَ الـهَيْدَبُ العبامُ من الـ * ـأَقْوام سَقْباً مُجلَّلاً فَرَعا

  والحَيُّ إذْ حاذَرُوا الصَّباحَ * وخا فُوا ذا غَواشٍ وسُوِّمُوا فَزَعا

**********

أَلاَ يا عَيْنِ مَا فابْكِي سُمَيْراً * إذا ظَلَّ المَطِيُّ لـها صَرِيفُ

  أَلاَ يَا عَيْنِ ما فابْكي سُمَيْراً * إذا صَعِرَتْ منَ الغَضَبِ الـأُنُوفُ

  فَكَمْ خَلَّى سُمَيْرٌ من أُمُورٍ * عَلَيَّ لَوَ انَّني جَلْدٌ عَزُوفُ

  وَكُنْتُ إذا دَعَوْتُ أَجَابَ * صَوْتي كَمِيٌّ لا أَلَفُّ وَلاَ ضَعِيفُ

**********

هَلْ لِعَيْشٍ إذَا مَضَى لِزَوَالِ * مِنْ رُجُوعٍ أَمْ هَلْ فَتًى غَيْرُ بالي

  أَصْبَحَ الدَّهْرُ قَدْ مَضَى بِسُمَيْرٍ * بِسَعُورِ الوَغَى وبِالمِفْضَالِ

  لا أَرَى النَّائِبَاتِ عَرَّيْنَ حَيّاً * لِعَدِيدٍ وَلاَ لِكَثْرَةِ مَالِ

  أَرْيَحيٌّ أَمْضَى عَلَى الـهَوْلِ مِنْ لَيْـ * ـثٍ هَمُوسِ السُّرَى أَبي أَشْبَالِ

  خَاضِلُ الكَفّ ما يَلِطُّ إذَا مَا انْـ * ـتَابَهُ مُجْتَدُوهُ بِاعْتِلاَلِ

  يَا سُمَيْرَ الفَعَالِ مَنْ لِحُرُوبٍ * مُسْعَرَاتٍ يَجُلْنَ بَالـأَبْطالِ

  ذَاتِ جَرْسٍ يَسْمُو الكُمَاةُ إلى الـأَبْـ * ـطَالِ في نَقْعَها سُمُوَّ الجِمالِ

  يَتَسَاقُونَ سمَّها في دُرُوعٍ * سَابِغَاتٍ مِنَ الحَدِيدِ ثِقَالِ

  كُنْتَ تَصْلَى نِيرانَهُنَّ إذَا ضَا قَت * ْ لِرَيْعَانِهَا صُدُورُ الرِّجَالِ

  وَصَرِيعٍ مُسْتَسْلِمٍ بَيْنَ بِيضٍ * يَتَعَاوَرْنَهُ وَسُمْرِ العَوَالِي

  قَدْ تَلاَفَيْتَ شِلْوَهُ فَوْقَ نَهْدٍ * أَعْوَجِيٍّ ذِي مَيْعَةٍ وَنِقَالِ

  فَصَرَفْتَ السُّمْرَ النَّوَاهِلَ عَنْهُ بِغَمُوس * ٍ مِنْ مُرْهَفَاتِ النِّصَالِ

  يَا سُمَيْرٌ! مَنْ لِلنِّسَاءِ إذا مَا * قَحَطَ القَطْرُ أُمَّهَاتِ العِيَالِ

  كُنْتَ غَيْثاً لَهُنَّ في السَّنة الشَّهْـ * ـبَاءِ ذَاتِ الغُبَارِ والإمْحَالِ

  أَلْمُهِينُ الكُومَ الجِلادَ * إذَا مَا هَبَّتِ الرِّيحُ كُلَّ يَوْمِ شَمَالِ

  والمُفِيدُ المالَ التِّلاَدَ لِمَنْ يَعْــفُوهُ * والوَاهِبُ الحِسَانَ الغَوَالي

**********

بني أسد

أَأُمَيْمَ هَيْهَاتِ الصِّبَا ذَهَبَ الصِّبَا * وأَطَارَ عَنِّي الحِلْمُ جَهْلَ غُرَابي

  أَيْنَ الـأُلَى بالـأَمْسِ كَانُوا جِيرَةً * أَمْسَوْا دَفِينَ جَنَادِلٍ وَتُرَابِ

  مَاتُوا ولو أَنِّي قَدَرْتُ بِحِيلَةٍ * لـأَحَدْتُ صرفَ المَوْتِ عَنْ أَحْبَابِي

  مَا حِيلَتي إلاّ البُكَاءُ عَلَيْهُمُ * إنَّ البُكَاءَ سِلاَحُ كُلِّ مُصَابِ

**********

أَلا بكَرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ * بِعَمْرِو بن مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ

  فَمَنْ كَانَ يَعْيَا بالجوابِ فَإنَّهُ * أَبُو مَعْقِلٍ لا حَجْرَ عَنْهُ ولا صَدَدْ

  أَثَارُوا بِصَحْرَاءِ الثَّوِيَّةِ قَبْرَهُ * وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَنَاءَى بِهِ البَلَدْ

**********

أَمْسَى بَوَاكِيكَ مَلِلْنَ البُكَا * وَشَرُّ عَهْدِ النَّاسِ عَهْدُ النِّسَا

  فَابْنَ حَبِيبٍ فابْكِيَا خَالِداً * لِجفْنَةٍ مَلـأَى وزِقٍّ رِوَى

  وَابْنَ حَبيبٍ فَابْكِيَا خَالِداً * لِطَعْنَةٍ يُقْصُرُ عَنْها الإِسَا

  إنْ تَبْكِيَا لاَ تَبْكِيَا هَيِّناً * وما بِمَا مَسَّكُمَا مِنْ خَفَا

  إذْ يُخْرِجُ الكَاعِبَ مِنْ خِدْرِهَا * يَوْمُكَ لا تَذْكُرُ فيهِ الحَيَا

  أَحْلَى مِنَ التَّمْرِ وأَحْمَى مِنَ الـ * جمْرِ وآبَى عِنْدَ جِدِّ الإبَا

**********

خَلِيليَّ عُوجَا إنَّها حَاجَةٌ لَنَا * عَلَى قَبْرِ هَمَّامٍ سَقَتْهُ الرَّوَاعِدُ

  عَلَى قَبْرِ مَنْ يُرْجَى نَدَاهُ ويُبْتَغَى * جَدَاهُ إذَا لَمْ يَحْمَدِ الـأَرْضَ رَائِدُ

  كَرِيمُ النَّثَا حُلْوُ الشَّمائِل بَيْنَهُ * وبَيْنَ المُزَجَّى نَفْنَفٌ مُتَبَاعِدُ

  عَلَى مِثْلِ هَمَّامِ تَشُقُّ جُيُوبَهَا * وتُعْلِنُ بالنَّوْحِ النِّسَاءُ الفَوَاقِدُ

  فَتَى الحَيِّ إنْ تَلْقَاهُ في الحَيِّ أو يُرى * سِوَى الحَيِّ أَوْ ضَمَّ الرِّجَالَ المَشَاهِدُ

  إذا نَازَعَ القَوْمَ الـأَحَادِيثَ لم يَكُنْ * عَيِيّاً ولا ثِقْلاً عَلَى مَنْ يُقَاعِدُ

  صَبُورٌ على العِلاّتِ يُصْبِحُ بَطْنُه * خَمِيصاً وآتِيهِ عَلَى الزَّادِ حَامِدُ

  وَضَعْنَا الفَتَى كُلَّ الفَتَى في حَفِيرَةٍ * بِحُرِّين قَدْ رَاحَتْ عليه العَوَائِدُ

  صَرِيعاً كَنَصْلِ السَّيْفِ تَضْرِبُ حَوْلَه * تَرَائِبَهُنَّ المُعْوِلاَتُ الفَوَاقِدُ

**********

تَطَاوَلَ لَيْلِي لِلـهُمومِ الحَوَاضِرِ * وَشَيَّبَ رَأْسِي يَوْمُ قَيْسِ بنِ جَابِرِ

  فَإنْ تَكُنِ الـأَحْدَاثُ أَوْدَتْ بِفَارِسٍ * عَظيمِ المَسَاعِي في السِّنِينَ الغَوابِرِ

  فَقَدْ عَلِمَتْ أَحْيَاءُ زَيْدٍ وكَاهِلٍ * وعَمْرٍو ودُودَانٍ قَبيلِ الغَوَاضِرِ

  بِأَنَّ أَبِى قَدْ كَانَ فَارِسَ قَوْمِهِ * به تَتَّقِي حَدَّ الرِّماحِ الشَّوَاجِرِ

  فَلاَ يِهْنِئَنْ حَيَّ الـأَرَاقِمِ فَقْدُهُ * فَكُلُّ امْرِىءٍ رَهْنٌ لِرَيْبِ المَقَادِرِ

**********

أَلاَ إنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَصْبَحَ ثَاوِياً * قَتِيلُ بني سَعْدٍ بذاتِ الحَنَاظِلِ

  صَبَرْتَ على حَدِّ الرِّماحِ كأنَّهَا * غَدَاةَ تَوَالَى فيك وَسْمِيُّ وَابِلِ

  فَإنْ تَكُنِ الغاراتُ أَرْدَيْنَ مَعْقِلاً * وأَصْبَحَ رَهْنَ القَاعِ بَيْنَ الـأَعَاوِلِ

  فَمَا كَانَ وَقَّافاً إذا الخَيْلُ أَحْجَمَتْ * ولا طَائِشاً نِكْساً غَدَاةَ المَنَاضِلِ

  وَقَدْ كَانَ مِغْياراً على كُلِّ حُرَّةٍ * وفارِسَ أَفْرَاسٍ وكَهْفَ أَرَامِلِ

**********

نِعْمَ المُجِيرُ وَخَيْرُ أُسْرَتِهِ * لِلضَّيْفِ يَعْشُو نَارَهُ فُطُرَه

  فَلَقَدْ يُهِيبُ بِقَلْبِ ذي شَرَرٍ * ذَاكٍ  فَلاَ تَتَعَرَّضَنْ شَرَرَهْ

  والجَارُ يَحْبُوهُ بِجَفْنَتِهِ * وَلاَ يَذُمُّ رَفِيقُهُ خَبَرَهْ

  فَأَصَابَهُ حَيْنٌ فَأَدْرَكَهُ * فَلَنِعْمَ مَقْبُوراً ومَنْ قَبَرَهْ

  والخَيْر لا يَأْتِي عَلَى عَجَلٍ * والشَّرُّ يَسْبِق سَيْلُهُ مَطَرَهْ

**********

تَطَاوَلَ لَيْلَي بالـأَرُسِّ  فَلَمْ أَنَمْ * كَأَنِّي أَسُومُ العَيْنَ نَوْماً مُحَرَّما

  تَذَكَّرُ ذِكْرِي لابن عَمٍّ رُزِئتُهُ * كأَنِّي أَرَانِي بَعْدَهُ عِشْتُ أَجْذَمَا

  فَإنْ تَكُ بالدَّهْنَا صَرَمْتَ إقامَةً * فباللـهِ ما كُنَّا مَلِلْنَاكَ عَلْقَمَا

**********

أَبَعْدَ أَخِي يَلَذُّ الغَمْضُ عَيْنِي * فَكَيْفَ يَنَامُ مَقْرُوحُ الجُفُونِ

  سَأَبْكِي ما حَيِيتُ على شَقِيقٍ * أَعَزَّ عَلَي من عَيْنِي اليَمِينِ

  فَلَو أَنِّي لَحِقْتُ بهِ قَتِيلاً  لَهَانَ * عَلَيَّ إذْ هُوَ غَيْرُ هُونِ

  وكُنْتُ إلى السُّلُوِّ أَرَى طَرِيقاً * وأَعْلَقُ منه بالحَبْلِ المَتِينِ

  وإنَّا مَعْشَرٌ مَنْ مَاتَ مِنَّا * فَلَيْسَ يَمُوتُ مَوْتَ المُسْتَكِينِ

  وإنِّي أَنْ يُقَال مَضَى ضِرَارٌ * لَبَاكِيَةً بِمُنْسَجِمٍ هَتُونِ

  وقَالُوا كَمْ بِكاؤُك قُلْتُ مَهْلاً * أَمَا أَبْكِي وَقَدْ قَطَعُوا وَتِينِي

**********

تأبط شرا

عَلَى الشَّنْفَرَى سَارِي الْغَمَام فَرَائِحٌ * غَزِيرُ الكُلَى أَوْ صَيِّبُ الْمَاءِ بَاكِرُ

  عَلَيْكَ جَدَاءٌ مِثْلُ يَوْمِكَ بِالْحَيَا * وَقَدْ رَعَفَتْ مِنِّي السُّيُوفُ البَوَاتِرُ

  وَيَوْمُكَ يَوْمَ الْعَيْكَتَيْنِ وَعَطْفَةٌ * عَطَفْتَ وَقَدْ مَسَّ الْقُلُوبَ الْحَنَاجِرُ

  تُجيِلُ سِلاَحَ الْمَوْتِ فِيْهِمْ كَأَنَّهُمْ * لِشَوْكَتِكَ الحُدَّى ضَئِينٌ نَوَافِرُ

  وَطَعْنَةِ خَلْسٍ قَدْ طَعَنْتَ مُرِشَّةٍ * لَهَا نَفَذٌ تَضِلُّ فِيهَا المَسَابِرُ

  يَظَلُّ لَهَا الآسِي أَمِيماً كَأَنَّهُ * نَزِيفٌ هَرَاقَتْ لُبَّهُ الْخَمْرُ سَاكِرُ

  وإنَّكَ لَوْ لاَقَيْتَنِي بَعْدَ مَا تَرَى * وَهَلْ يُلْقَيَنْ مَنْ غَيَّبَتْهُ الْمَقَابِرُ

  لـألْفَيْتَنِي في غَارَةٍ أُدَّعَى لَهَا * إلَيْكَ وَإمَّا رَاجِعاً أَنَا ثَائِرُ

  وإنْ تَكُ مَأْسُوراً وَظِلْتَ مُخَيِّماً * وَأَبْلَيْتَ حَتَّى مَا يَكِيدُكَ وَاتِرُ

  وَحَتَّى رَمَاكَ الشَّيْبُ في الرَّأْسِ عَانِساً * وَخَيْرُكَ مَبْسُوطٌ وَزَادُكَ حَاضِرُ

  وَأَجْمَلُ مَوْتِ الْمَرْءِ إِذْ كَانَ مَيِّتاً * وَلاَ بُدَّ يَوْماً مَوْتُهُ وَهْوَ صَابِرُ

  فَلاَ يَبْعَدَنَّ الشَّنْفَرَى وَسِلاَحُهُ * الْحَدِيدُ وَشَدُّ خَطْوِهِ مُتَوَاتِرُ

  إذَا رَاعَ رَوْعَ الْمَوْتِ رَاعَ وَإنْ حَمَى * حَمَى مَعَهُ حُرٌّ كَرِيمٌ مُصَابِرُ

**********

أَبَعْدَ قَتِيلِ الْعَوْصِ آسِي عَلَى فَتىً * وَصَاحِبِهِ أَوْ يَأْمُلُ الزَّادَ طَارِقُ

  أَأَطْرِدُ نَهْبَاً آخِرَ الَّليْلِ أَبْتَغِي * عُلاَلَةَ يَوْمٍ أَوْ تَعُوق الْعَوَائِقُ

  لَنِعْمَ فَتىً نِلْتُمْ كَأَنَّ رِدَاءَهُ * عَلَى سَرْحَةٍ مِنْ سَرْحِ دَوْمَةَ شَانِقُ

  لـأَطْرُدَ نَهْبَاً أَوْ نَرُودَ بِفِتْيَةٍ * بِأَيْمَانِهِمْ سُمْرُ الْقَنَى وَالْفَتَائِقُ

  مَسَاعِرَةٌ شُعْتٌ كَأَنَّ عُيُونَهُمْ * حَرِيقُ الْغَضَا تُلْفَى عَلَيْهَا شَقَائِقُ

  فَعُدُّوا شُهُورَ الحُرْمِ ثُمَّ تَعَرَّفُوا * قَتِيلَ أُنَاسٍ أَوْ فَتَاةً تُعَانِقُ

**********

إنّ الرّزِيّةَ لا رَزِيّةَ مِثْلُها * ما تَبْتَغي غَطَفانُ يوْمَ أضَلّتِ

  إنّ الرّكابَ لَتَبتَغي ذا مِرّةٍ * بجُنوبِ نخلَ إذا الشّهورُ أحَلّتِ

  يَنْعَوْنَ خَيرَ النّاسِ عندَ شَديدةٍ * عَظُمَتْ مُصِيبتُهُ هناكَ وجلّتِ

  وَمُدَقَّعٍ ذاقَ الـهَوَانَ مُلَعَّنٍ * راخَيتَ عُقدَةَ حَبلِهِ فانحَلّتِ

  وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنتَ لنا إذا * نهِلَتْ من العَلَقِ الرّماحُ وعَلّت

**********