إبراهيم ناجي

قل للذين بكوا على شوقي * النادبين مصارع الشهب

  والهفتاه لمصر والشرق * ولدولة الأشعار والأدب!

  دنيا تقر اليوم في لحد * وصحيفة طويت من المجد

  هذا ثرى مصر الكريم ، وكم * أكرمته وأشدت بالذكر

  يلقاك في عطف الحبيب فنم * في النور لا في ظلمة القبر !

  كم من دفين رحت تحييه * وبعثته وكففت غربته

  فاحلل عليه مكرما فيه * يا طالما قدست تربته

  يا نازل الصحراء موحشة * ريانة بالصمت والعدم

  سالت بها العبرات مجهشة * وجرت بها الأحزان من قدم !

  هذا طريق قد ألفناه * نمشي وراء مشيع غال

  كم من حبيب قد بكيناه * لم يمح من خلد ولا بال

  وكأن يومك في فجيعته * هو أول الأيام في الشجن

  وكأنما الباكي بدمعته * ما ذاق قبلك لوعة الحزن !

  فاذهب كما ذهب النهار مضى * قد شيعته مدامع الشفق

  واغرب كما غرب الشعاع قضى * رفت عليه جوانح الغسق

  ما كنت إلا أمة ذهبت * والعبقرية أمة الأمم

  أو شعلة أبصارنا خلبت * ومنارة نصبت على علم

  يا راقدا قد بات في مثوى * بعدت به الدنيا وما بعدا

  أين النجوم أصوغ ما أهوى * شعرا كشعرك خالدا أبدا

  لكن حزني لو علمت به * لم يبق لي صبرا ولا جهدا

  فاعذر إلى يوم نفيك به * حق النبوغ ونذكر المجدا

**********

لا تجزعوا لشاعر الملهم * ما مات لكن صار في الأنجم

  ما كان إلا زائرا عابرا * لأى سر جاء لم نعم

  والآن قد رد إلى سربه * في قدس ذاك الفلك الأعظم

  الآن قد رد إلى ربه * فتى إلى الخلد مشوق ظمى

  الآن قد أصبح في قربه * فتى لآفاق السماء ينتمي

  كان فراشا حائرا في الدنى * في نورها أو نارها يرتمي

  فإن نجا من نارها مرة * فمن لهيب النفس لم يسلم

  لا تجزعوا للشاعر الملهم * بنضرة الأيام لم ينعم

  مر بهذا الكون في لحظة * طالت كعمر الأبد الأعظم

  أي جلال فاته وصفه * وأى حسن فيه لم يرسم

  فإن يكن رد إلى حضنه * فعودة المغرم للمغرم

  ورجعة القلب إلى صدره * بالعطف في أحنائه يرتمي

  لا تجزعوا للشاعر الملهم * ولله ما نام مع النوم

  ولم ينل منه أكول البلى * وإنما غاب إلى موسم

**********

هى صفحة طويت وحان ختام * آسى الأساة على ثراك سلام

  لهفي عليك تسلمتك يد البلى * وانفض عنك النشور زحام

  الحفل منتظم تكامل عقده * أين العشى خيالك البسام

  يتلفتون به كأنك عائد * هيهات في ريب المنون كلام

  لا صحو من سنة المنون وإنما * سهر الخلود عليك حيث تنام

  يا أيها الآسى العزيز بمضجع * ناء له الإكبار والإعظام

  أنت الطبيب وقد بلوت حياته * ومجالها الأوجاع والأسقام

  جلت الحياة له حقيقتها فما * في ظلها لبس ولا أوهام

  وله مع القدر الرهيب وقائع * وله مع الموت الملم صدام

  ووراء ذلك قوة أزلية * خرساء عنها ما أميط لثام

  أى الأساة هو المدل بفنه * سبحان من تحنى لديه الهام

  بلد على بلد كأنك ضارب * في الأرض ما يدرى لديه مقام

  فرجعت من حمى الحياة لمثلها * حمى تهد الصرح وهو مقام

  سفر على سفر فهذى رقدة * شفى الغليل بها وطات أوام

  يلقى الغريب على جوانبها العصا * وتقر فيها أعين وعظام

  رقدا الصغير إلى الكبير مجاورا * وتعانق الأحباب والأخصام

  هجعوا إلى يوم النشور وهكذا * هجعت هنالك ألفة وخصائم

**********

ها هنا حفل وذكرى ووفاء * لبنا أنت ملبى الأصدقاء

  يا لها من غربة مضنية * ليس تنجاب وأيام بطاء

  ذهب الموت بأغلى صاحب * وثوى في الثرب أو فى الأوفياء

  لست أنساك وقد أقبلت لى * تشتكي غدر صديق قد أساء

  آه من جرح ومن قلب على * ألم الجرح انطوى مر الأباء

  كلما آلمك الجرح فأحسست به * لطفته بالكبرياء

  أيها الشاكي من الدهر استرح * كلنا أيها الشاكي سواء

  الجراحات التي عاينتها * لم تدع أرواحنا إلا ذماء

  برم العيش بها لم يشفها * وتولى الدهر سامان وجاء

  أذن الموت لها فالتأمت * وشفاها بعدما استعصى الشفاء

  لست أرثيك أيرثى خالد * في رحاب الخلد موفور الجزاء

  كيف أرثيك أيرثى فاضل * عاش بالخيرات موصول الدعاء

  إنما الدنيا هى الخير على * قلة الخير وقحط العظماء

  إنما الدنيا فتى عاش لكم * باذلا من قوته حتى الفناء

  فإذا مات فقد عاش بكم * فهو بالذكرى جدير بالبقاء

  ذلك الشاعر قد واساكم * وبكى آلامكم كل البكاء

  ذلك الشاعر قد غناكم صادحا * في أيككم بشى الهناء

  وأولو الشعر المصابيح التى * حطمتهن رياح الصحراء

  خلدت أنوارهم رغم البلى * وبها المدلج في الليل استضاء

  سوف يفنى القول إلا قولهم * ويموت الناس إلا الشعراء

  عد إلينا نسمة حائرة * ذات نجوى وحنين وولاء

  ثم حلق بجناحين إلى * عالم نحن له جد ظماء

  طر مطار النسم واترك قدما * ثقلت بالشوك في أرض الشقاء

**********

يا نفس إن راح الخليل وعنده * ود الخليل فعجلى برحيلي

  حملوا على الأعواد فنا خالدا * وارحمتاه لكوكب محمول

  هو مصرع للعبقرية روعت * في عرشها والتاج والإكليل

**********

إنا افتقدناك والأفهام حائرة * والبدر في الليلة الليلاء يفتقد

  فردد الغيل والأشبال ناظرة * خلا مكانك فيها أيها الأسد

  يا أيها المنهل الصافي لوارده * أى الموارد من بعد الردى نرد

  لم يبق إلا ندى الذكرى نلوذ به * يا ويحنا باللظى المشبوب نبترد

  يا نائيا صامتا في البين منفردا * يحوطه ألف قلب وهو منفرد

  يا أيها الركن من نور دعائمه * له الفضيلة والأخلاق معتمد

  أقسمت بالحق في الوجه الوقور به * تبقى بقاء الليالى هذه العمد

  وكيف يذوي البلى من ذي مكارمه * ومن له كأبى الطود معتقد

  والله ما للبلى كف تطاوله * وليس يرقى له شئ ولا أحد

  كأن جوهرة للموت صامدة * تكاد في ظلمات القبر تتقد

  أو ماسة تتحدى الدهر مشعلة * على التواريخ والأجيال تتسد

  فما يمر زمان في تغيبها * إلا تلفت يستهدي بها البلد

  وأيما رجل ، والشك يأخذه * يهديه نور سناها وهو مجتهد

  وكل ناد يحفل العلم مؤتلق * وكل سامر فضل وهو محتشد

  شيخي عليك سلام الله هل علم * القلب الكبير بأني هائم أجد

  وأنني مرسل طرفي إلى رجل * يسد ركنك في قلبي فلا أجد

**********

حافظ ابراهيم

إيه يا ليل هل شهدت المصابا * كيف ينصب في النفوس انصبابا

  بلغ المشرقين قبل انبلاج الصبح * أن الرئيس ولى وغابا

  وانع للنيرات " سعدا" ف " سعد " * كان أمضى في الأرض منها شهابا

  قديا ليل من سوادك ثوبا * للدرارى وللضحى جلبابا

  أنسج الحالكات منك نقابا * وأحب شمس النهار ذاك النقابا

  قل لهما : غاب كوكب الأرض في الأرض * فغيبي عن السماء احتجابا

  والبسيني عليه ثوب حداد * واجلسي للعزاء فالحزن طابا

  أين سعد ؟ فذاك أول حفل * غاب عن صدره وعاف الخطابا

  لم يعود جنوده يوم خطب * أن ينادى فلا يرد الجوابا

  عل أمرا قد عاقه، عل سقما * قد عراه ، لقد أطال الغيابا

  أي جنود الرئيس نادوا جهارا * فإذا لم يجب فشقوا الثيابا

  إنها النكبة التى كنت أخشى * إنها الساعة التى كنت أبي

  إنها اللفظة التى تنسف الأنفس * نسفا وتفقر الأصلابا

  مات " سعد " ، لا كنت يا " مات سعد " * أسهاما مسمومة أم حرابا

  كيف أقصدت كل حى على الأرض * وأحدثت في الوجود انقلابا

  حسرة عند أنة عن آه * تحتها زفرة تذيب الصلابا

  قل لمن بات في فلسطين يبكي * إن زلزالنا أجل مصاب

**********

سلام على الإسلام بعد محمد * سلام على أيامه النضرات

  على الدين والدنيا ، على العلم والحجا * على البر والتقوى ، على الحسنات

  لقد كنت أخشى عادى الموت قبله * فأصبحت أخشى أن تطول حياتي

  فوالهفي ، والقبر بيني وبينه * على نظرة من تلكم النظرات

  وقفت عليه حاسرا الرأس خاشعا * كأني حيال القبر في عرفات

  لقد جهلوا قدرا الإمام فأودعوا * تجاليده في موحش بفلاة

  ولو ضرحوا بالمسجدين لأنزلوا * بخير بقاع الأرض خير رفات

  تباركت هذا الدين دين محمد * أيترك في الدنيا بغير حماة ؟

  تباركت هذا عالم الشرق قد قضى * ولانت قناة الدين للغمزات

  زرعت لنا زرعا فأخرج شطأه * بنت ولما نجتن الثمرات

  فواها له ألا يصيب موفقا * يشارفه والأرض غير موات

  مددنا إلى الأعلام بعدك راحنا * فردت إلى أعصافنا صفرات

  وجالت بنا تبغي سواك عيوننا * فعدن وأثرن العمى شرقات

  وآذوك في ذات الإله وأنكروا * مكانك حتى سودوا الصفحات

  رأيت الأذى في جانب الله لذة * ورحت ولم تهمم له بشكاة

  لقد كنت فيهم كوكبا في غياهب * ومعرفة في أنفس نكرات

  أبنت لنا التنزيل حكما وحكمة * وفرقت بين النور والظلمات

  ووفقت بين الدين والعلم والحجا * فأطلعت نرا من ثلاث جهات

**********

أيا قبر هذا الضيف آمال أمة * فكبر وهلل وألق ضيفك جاثيا

  عزيز علينا أن نرى فيك مصطفى * شهيد العلا في زهرة العمر ذاويا

  أيا قبر لو أنا فقدناه وحده * لكان التأسى من جوى الحزن شافيا

  ولكن فقدنا كل شيئ بفقده * وهيهات أن يأتي به الدهر ثانيا

  فيا سائلي أين المروءة والوفا * وأين الحجا والرأى ؟ ويحك هاهيا

  هنيئا لهم فليأمنوا كل صائح * فقد أسكت الصوت الذي كان عاليا

  ومات الذي أحيا الشعور وساقه * إلى المجد فأستحيا النفوس البواليا

  مدحتك لما كنت حيا فلم أجد * وإني أجيد اليوم فيك المراثيا

  عليك ، وإلا ما لذا الحزن شاملا * وفيك ، وإلا ما لذا الشعب باكيا

  يموت المداوي للنفوس ولا يرى * لما فيه من داء النفوس مداويا

  وكنا نياما حينما كنت ساهدا * فأسهدتنا حزنا أمسيت غافيا

  شهيد العلا ، لا زال صوتك بيننا * يرن كما قد كان بالأمس داويا

  يهيب بنا : هذا بناء أقمته * فلا تهدموا بالله ما كنت بانيا

  يصيح بنا : لا تشعروا الناس أنني * قضيت وأن الحى قد بات خاليا

  يناشدنا بالله ألا تفرقوا * وكونوا رجالا لا تسروا الأعاديا

  فروحي من هذا المقام مطلة * تشارفكم عنى وإن كنت باليا

  فلا تحزنوها بالخلاف فإنني * أخاف عليكم في الخلاف الدواهيا

  أجل ، أيها الداعي إلى الخير إننا * على العهد ما دمنا فنم أنت هانيا

  بناؤك محفوظ ، وطيفك ماثل * وصوتك مسموع ، وإن كنت نابيا

  عهدناك لا تبكي وتنكر أن يرى * أخو البأس في بعض المواطن باكيا

  فرخص لنا اليوم البكاء وفى غد * ترانا كما تهوى جبالا رواسيا

  فيا نيل إن لم تجر بعد وفاته * دما أحمرا لا كنت يا نيل جاريا

  ويا " مصر " إن لم تحفظي ذكر عهده * إلى الحشر لا زال انحلالك باقيا

  ويأهل مصر إن جهلتم مصابكم * ثقوا أن نجم السعد قد غار هاويا

  ثلاثون عاما بل ثلاثون درة * بجيد الليالي ساطعات زواهيا

  ستشهد في التاريخ أنك لم تكن * فتى مفردا بل كنت جيشا مغازيا

**********

شاعر العراق الجواهري

طوى الموت رب القوافي الغرر * وأصبح شوقي رهين الحفر

  وألفي ذاك الدماغ العظيم * لثقل التراب وضغط الحجر

  وجئنا نعزي به الحاضرين * كأن لم يكن أمس فيمن حضر

  ولم ينتج السور الخالدات * من الملحقات بأم السور

  من اللاء يهتز منها الندى * ويطرب إيقاعهن السمر

  برغم الشعور يشل البلى * لسانك أو يعتريك الكدر

  وأن يقطع الموت ذاك النشيد * وأن يأكل الدود ذاك الوتر

  وأنا نعود بنفض الأكف * عنك وأنت العظيم الخطر

  فيا لك من عبرة يستفز * منها على كثرة في العبر

  زمان وفى بميعاده * فظلما يقال ليال غدر

  كما يقرع الجرس للناشئين * تأتي إلى الناس منه النذر

  ولكن يريد الفتى أن يدوم * ولو دام ساد عليه الضجر

  ويأبى التنازع طول البقاء * وتأباه بقيا نفوس أخر

  وقد يهلك الناس فرد يعيش حينا * فكيف إذا ما استمرا !

  سواء صليب الصفا والزجاج كسرا * بكف القضا والقدر

  وبالدهر في الناس مثل الجنون * فليس يبالي بمن ذا عثر

  وحتم على الخفر الآنسات والوحش * حشرجة المحتضر

  تجيئ إلى الصدر تحت الحرير * كجيئتها الصدر تحت الوبر

  وكل الفوراق بين اللغات * وبين الطباع وبين الأسر

  سيوقفها للردى زائر * ثقيل الورود بغيض الصدر

  فيا صفرة الموت إن الوجوه * تساوى بها صفف أو خفر

  تحيرت في عيشة الشاعرين * أتحلو خلاصتها أم تمر

  فقد جار شوقي على نفسه * وقد يقتل المرء جور الفكر

  على أنه لم يعش خالدا * خلود الجديدين لو لم يجر

  تتبعت آثار شوقي وقد * وقفتم على من يقص الأثر

  لقد فات بالسبق كل الجياد * في الشعر هذا الجواد الأغر

  " شكسبير " أمته لم يصبه بالعى * داء ولا بالحصر

  كأن عيون القوافي الحسان * من قبل كانت له تدخر

  وإن أصدقن فشوقي لهن * عيون من الشعر فيها حور

  تعرضه من طلاء البيان * ومن زبرج اللفظ درب خطر

  ولو خاف مثل سواه العبور * لخاب وزل .. ولكن عبر

  تمشى لمصطلحات البديع مندسة * في البيان النخر

  فأفرغها من قوافيه في * قوالب مرصوصة كالزبر

  ولاءم بين أفانينها * وبين أفانين ما يبتكر

  فجاءت كأن لم تنلها يد * خلاف يد الماهر المقتدر

  يذلل من شاردات القريض * ما لو سواه ابتغاه لفر

  ويستنزل الشعر عذب الرواء * كصوب الغمامة إذ ينحدر

  وتبدو الرجولة في شعره * منزهة من صعى أو  صعر

  وفي كبر النفس مندوحة * عن الكبر ، شأن الضعاف الكبر

  ولم يتخبث بهجر الكلام * ولم يتصيد بماء عكر

  وديوان شوقي بما فيه من * صنوف البداعة روض نضر

  فبيت يكاد من الارتياح واللطف * من رقة يعتصر

  وبيت يكاد من الاندفاع يقدح * من جانبيه الشرر

  وبيت كأن " روفائيل " قد * كساه بكفيه إحدى الصور

  تحس الطبيعة في طيه * تكشف عن حسنها المستتر

  كأنك تسمع وقع الندى * بتصويره أو حفيف الشجر

  وبيت ترى " مصر " آسيانه * تناغي به مجدها المندثر

  ففي مصرع يومها المبتلى * وفي مصرع أمسها المزدهر

  و" فرعون " إذ ينطوي ملكه * وفرعون في القبر إذ ينتشر

  وديوان شوقي يجد الشباب * لتأريخ  أمته المحتضر

  ولولا المغالاة قلت : انطوى * بمعناه عنوانها المفتخر

**********

علي الجارم

هل نعيتم للبحتري بيانه ! * أو بكيتم لمعبد ألحانه

  أو رأيتم روض القريض هشيما * بعد ما قصف الردى ريحانة

  فزعت طيره ، فحومن يبكين * ذبول الخميلة الفينانة

  كن في ظلها يغنين للشرق * وينهضن للعلا شبانه

  كن في ظلها يحيين مجدا * صاعدا ، ضلت النجوم مكانه

  أيها الطير ضن ماء القوافي * فبذلنا دموعنا الهتانه

  مات يا طير صادح تسجد الطير * إذا رجع الصدى تحنانه

  نبرات تخالها صوت داود * بلفظ تخاله تبيانه

  علمت الابتسام زنبقة الوادي * وأوحت لغصنه ميلانه

  مات شوقي ، وكان أنفذ سهم ، * صائب الرمي من سهام الكنانة

  ابك للشمس في السماء أخاها * وابك للدهر قلبه ولسانه

  وابكه للنجوم ، كم سامرته * مالئات بوحيها آذاته

  وابك للروض واصفا يخجل الروض * إذا هز باليراع بناته

  وابكه للخيال صفوا نقيا * إنه كان في الورى ترجمانه

  ملأ الشرق موت من ملأ الشرق * حياة وقوة وزكانه

  كم يتيم من المعاني غريب * مسحت كفه عليه فصانه

  وشموس رنا إليه ، فألقى * رأسه خاضعا وأعطى عنانه

  ونفور أزرى بصياده الطب * وأعيا قسيه وسنانه

  نظرة تلتقي به ينهب الوادي * وأخرى تراه يطوي رعانه

  تسبق السهم عينه فتراه * يتلوى تلوى الخيزرانه

  ثم يخفى ، فلا تراه عيون * ثم يبدو ، فلا تشك عيانه

  أجهد الفارس الملح ، وأفنى * نبله حوله ، وأضنى حصانه

**********

لا الدمع غاص ، ولا فؤادك سالى * دخل الحمام عرينة الرئبال

  وأصاب في الميدان فارس أمة * رفع الكنانة بعد طول نضال

  رشقته أحداث الخطوب فأقصدت * حرب الخطوب الدهم غير سجال

  للموت أسلحة يطيح أمامها * حول الجرئ ، وحيلة المحتال

  ما كان سعد آية في جيله * سعد المخلد آية الأجيال

  تفنى أحاديث الرجال وذكره * سيظل في الدنيا حديث الرجال

  مار كمصباح السماء يحثه * كر الضحي وتعاقب الآصال

**********

محمود سامي البارودي

متى يشتفي هذا الفؤاد المفجع * وفي كل يوم راحل ليس يرجع

  نميل من الدنيا إلى ظل مزنة * لها بارق فيه المنية تلمع

  وكيف يطيب العيش والمرء قائم * على حذر من هول ما يتوقع

  بنا كل يوم للحوادث وقعة * تسيل لها منا نفوس وأدمع

  فأجسادنا في مطرح الأرض همد * وأرواحنا في مسرح الجو رتع

  ومن عجب أنا نساء ونرتضى * وندرك أسباب الفناء ونطمع

  ولو علم الإنسان عقبان أمره * لهان عليه ما يسر ويفجع

  عفاء على الدنيا ، فما لعداتها * وفاء ، ولا في عيشها متمتع

  أبعد سمير الفضل " أحمد فارس " * تقر جنوب ، أو يلائم مضجع

  كفى حزنا أن النوى صدعت به * فؤاد من الحدثان لا يتصدع

  وما كنت مجزاعا ، ولكن ذا الأسى * إذا لم يساعده التصبر يجزع

  فقدناه فقدان الشراب على الظمأ * ففى كل قلب غلة ليس تنقع

  وأى فؤاد لم يبت لمصابه * على لوعة ، أو مقلة ليس تدمع ؟

  إذا لم يكن للدمع في الخد مسرب * روى فما للحزن في القلب موضع

  مضى وورثناه علوما غزيرة * تظل بها هيم الخواطر تشرع

  إذا تليت آياتها في مقامة * تنافس قلب في هواها ومسمع

  سقى جدثا في أرض لبنان عارض * من المزن فياض الجداول مترع

  فإن به للمكرمات حشاشة * طواها الردى ، فالقلب حران موجع

  فإن يكن الشدياق خلى مكانه * فإن ابنه عن حوزة المجد يدفع

  وما مات من أبقى على الدهر فاضلا * يؤلف أشتات المعالى ويجمع

  رزين حصاة الحلم ، لا يستخفه * إلى اللهو طبع ، فهو بالجد مولع

  تلوح عليه من أبيه شمائل * تدل على طيب الخلال ، وتنزع

  فصبرا جميلا " يا سليم " ، فإنما * يسيغ الفتى بالصبر ما يتجرع

  إذا المرء لم يصبر على ما أصابه * فماذا تراه في المقدر يصنع

  ومثلك من راز الأمور بعقله * وأدرك منها ما يضر وينفع

  فلا تعطين الحزن قلبك ، واستعن * عليه بصبر ، فهو في الحزن أنجع

  وهاك على بعد المزار قريبة * إلى النفس ، يدعوها الوفاء فتتبع

  رعيت بها حق الوداد على النوى * وللحق في حكم البصيرة مقطع

**********

أيد المنون قدحت زناد * وأطرت أية شعلة بفؤادي

  أوهنت عزمي وهو حملة فيق * وحطمت عنودي وهو رمح طراد

  لم أدر هل خطب ألم بساحتي * فأناخ ، أم سهم أصاب سوادي

  أقذى العيون فأسلبت بمدامع * تجري على الخدين كالفرصاد

  ما كنت أحسبني أراع لحادث * حتى منيت به فأوهن آذى

  أبلتنى الحسرات حتى لم يكد * جسمي يلوح لأعين العواد

  استنجد الزفرات وهى لوافح * وأسفة العبرات وهى بوادي

  لا لوعتي تدع الفؤاد ، ولا يدي * تقوى على رد الحبيب الغادي

  يا دهر فيم فجعتني بحليلة * كانت خلاصة عدتي وعتادي

  إن كنت لم ترحم صناى لبعدها * أفلا رحمت من الأسى أولادي

  أفردتهن فلم ينمن توجعا * فرى العيون رواجف الأكباد

  ألفين در عقودهن ، وصغن من * در الدموع قلائد الأجياد

  يبكين من وله فراق حفية * كانت لهن كثيرة الإسعاد

  فخدودهن من الدموع ندية * وقلوبهن من الهموم صوادي

  أسليلة القمرين !أى فجيعة * حلت لفقدك بين هذا النادي

  أعزز على بأن أراك رهينة * في جوف أغبر قاتم الأسداد

  أو أن تبيني عن قرارة منزل * كنت الضياء له بكل سواد

  لو كان هذا الدهر يقبل فدية * بالنفس عنك لكنت أول فادي



جميع حقوق النشر محفوظة لسجايا الشعراء ©2003

أما حقوق البرامج والقصائد والمعلومات فلإصحابها الأصليين