أحمد شوقي

وُلد الـهدى فالكائناتُ ضياءُ * وفَمُ الزّمان تبسُّمٌ وثناءُ

  الرُّوحُ والملـأُ الملائكُ حَوْلَهُ * للدِّين والدنيا به بُشَراءُ

  والعرشُ يزهو والحظيرةُ تَزْدَهي * والمنتهى والسِّدْرَةُ العصماءُ

  وحديقةُ الفرقان ضاحكة الربا * بالترجمانِ شَذِيَّةٌ غنَّاءُ

  والوحْيُ يقطرُ سلسَلاً من سلسلٍ * واللوحُ والقلمُ البديعُ رُواءُ

  نُظِمَتْ أَسامي الرُّسْلِ فهي صحيفة * في اللوح واسمُ محمدٍ طُغراءُ

  اسمُ الجلالة في بديع حروفهِ * أَلِفٌ هنالك واسمُ طه الباءُ

  يا خير من جاءَ الوجودَ تحية * من مُرسَلين إلى الـهدى بك جاءُوا

  بيت النبيّين الذي لا يلتقي * إلا الحنائف فيه والحنفاءُ

  خيرُ الـأُبوةِ حازَهم لَكَ (آدم) * دونَ الـأَنام وأَحرزتْ حَوَّاءُ

  هم أَدركوا عِزَّ النبوَّةِ وانتهت * فيها إليكَ العِزَّةُ القعساءُ

  خُلِقَتْ لبيتك وهو مخلوقٌ لـها * إن العظائِمَ كفؤها العظماءُ

  بك بشَّر اللَّهُ السماءَ فزُيِّنَت * وتضوَّعت مسكاً بك الغبراءُ

  وبدا مُحَيَّاك الذي قَسماتُه * حق وغُرَّتُه هُدىً وحَياءُ

  وعليه من نورِ النُّبُوَّةِ رَوْنقٌ * ومن الخليل وهَدْيِه سِيماءُ

  أَثنى (المسيحُ) عليه خلف سمائه * وتهلَّلت واهتزَّتِ (العذراءُ)

  يومٌ يتِيهُ على الزمان صَبَاحُه * ومَساؤه بمحمدٍ وَضَّاءُ

  الحقُّ عالي الركنِ فيه مُظَفَّرٌ * في المُلكِ لا يعلو عليه لواءُ

  ذُعِرت عروشُ الظالمين فزُلزِلت * وعَلَتْ على تِيجانِهم أَصْداءُ

  والنارُ خاويةُ الجوانب حولَهُمْ * خَمَدَت ذوائِبُها وغاض الماءُ

  والآيُ تَتْرَى والخَوارقُ جَمَّةٌ * (جبريلُ) رَوَّاح بها غَدَّاءُ

  نِعمَ اليتيمُ بَدَت مَخايلُ فضلِه * واليُتمُ رزقٌ بعضُه وذَكاءُ

  في المهد يُسْتَسْقَى الحيَا برجائه * وبقصدِهِ تُستَدْفَعُ البَأساءُ

  بِسوى الـأمانة في الصِّبا والصدقِ لم * يعرفْه أَهلُ الصدقِ والـأُمناءُ

  يا مَنْ لـه الـأَخلاقُ ما تهوى العلا * منها وما يَتعشَّقُ الكبراءُ

  لو لم تُقِم دينا لقامت وحدَها * ديناً تُضِيءُ بنوره الآناءُ

  زانتك في الخلقِ العظيم شمائلٌ * يُغْرَى بهنّ ويُولَعُ الكرماءُ

  أَما الجمالُ فأَنت شمسُ سمائه * وملاحةُ الصِّدِّيقِ أَياءُ

  والحسنُ من كرم الوجوهِ وخيرهُ * ما أُوتِيَ القُوَّادُ والزعماءُ

  فإذا سَخَوتَ بلغتَ بالجود المدى * وفعلتَ ما لا تفعلُ الـأنواءُ

  وإذا عَفوت فقادراً ومقدّراً * لا يستهين بعفوك الجهلاءُ

  وإذا رحِمت فأنت أُمٌّ أو أَبٌ * هذان في الدنيا هما الرُّحماءُ

  وإذا غَضِبْتَ فإنما هي غَضْبَةٌ * في الحق لا ضِغْنٌ ولا بغضاءُ

  وإذا رضيتَ فذاك في مرضاته * ورِضَى الكثير تحلُّمٌ ورياءُ

  وإذا خطبتَ فللمنابر هِزةٌ * تَعرو النَّدِيَّ وللقلوب بكاءُ

  وإذا قضيتَ فلا ارتيابَ كأَنما * جاءَ الخصومَ من السماءِ قضاءُ

  وإذا حمَيْتَ الماءَ لم يُورَدْ ولو * أَن القياصِرَ والملوكَ ظِماءُ

  وإذا أَجَرتَ فأَنت بيتُ اللَّهِ لم * يدخل عليه المستجيرَ عداءُ

  وإذا ملكتَ النفسَ قُمْتَ بِبِرِّها * ولو ان ما ملكت يداك الشاءُ

  وإذا بنيتَ فخيرُ زَوْجٍ عِشرةً * وإذا ابتنيْتَ فدونَك الآباءُ

  وإذا صَحِبتَ رأى الوفاءَ مُجَسَّماً * في بُرْدِك الـأَصحابُ

  والخلطاءُ  وإذا أَخذتَ العهدَ أو أَعْطَيتَه * فجميعُ عَهدِك ذِمَّةٌ ووفاءُ

  وإذا مَشَيْتَ إلى العدا فغَضَنْفَرٌو * إذا جريْتَ فإنكَ النكباءُ

  وتَمُدُّ حِلمَكَ للسفيهِ مُدارياً * حتى يضيق بِعرضكَ السفهاءُ

  في كل نفْسٍ من سُطاكَ مَهابةٌ * ولكل نفسٍ في نداكَ رجاءُ

  والرأْيُ لم يُنضَ المُهنَّدُ دونه * كالسيف لم تضرب به الآراءُ

  يا أَيُّها الـأُمِّي حَسْبُكَ رتبةً * في العلم أَن دانَتْ بك العلماءُ

  الذكرُ آيةُ ربِّكَ الكبرى التي * فيها لباغي المعجزاتِ غَناءُ

  صَدْرُ البيانِ لـه إذا التقت اللُّغى * وتقدّم البلغاءُ والفصحاءُ

  نُسِختْ به التوراةُ وهي وضيئةٌ * وتخلَّف الإنجيلُ وهو ذُكاءُ

  لما تمشَّى في (الحجاز) حكيمُه * قُضَّت (عُكاظُ) به? وقام حِراءُ

  أَزرى بمنطِقِ أَهلـهِ وبيانِهم * وحيٌ يُقَصِّرُ دونه البلغاءُ

  حسدوا فقالوا: شاعرٌ أو ساحرٌ * ومن الحسود يكون الاستهزاءُ

  قد نال بالـهادي الكريم وبالـهدى * ما لم تنل من سُؤدد سيناءُ

  أَمسى كأنك من جلالك أُمّةٌ * وَكأنه من أُنسِه بَيداءُ

  يُوحَى إليك الفوزُ في ظلماته * متتابعاً تُجْلى به الظلماءُ

  دينٌ يُشيَّد آيةً في آية * لَبِنَاتُه السُّوراتُ والـأَضواءُ

  الحقُّ فيه هو الـأساسُ وكيف لا * واللـه جلَّ جلالـه البنَّاءُ?

  أَما حديثُكَ في العقول فَمَشْرَعٌ * والعلم والحِكمُ الغوالي الماءُ

  هو صِبغةُ الفرقان نفحةُ قُدْسِه * والسين من سوراته والراءُ

  جَرتِ الفصاحةُ من ينابيع النُّهَى * من دَوْحه وتفجَّر الإنشاءُ

  في بحرهِ للسابحين به على * أَدبِ الحياةِ وعلمِها إِرساءُ

  أَتت الدُّهُور على سُلافته ولم * تَفْنَ السُّلاف ولا سلا النُّدَماءُ

  بك يا بن عبد اللـه قامتْ سَمْحَة * ٌبالحقِّ من مِلَلِ الـهدى غرَّاءُ

  بُنِيَتْ على التوحيد وهي حقيقةٌ * نادى بها سُقْرَاطُ والقدماءُ

  وَجَدَ الزُّعافَ من السموم لـأَجلـها * كالشَّهدِ ثم تتابعَ الشُّهداءُ

  ومشى على وجه الزمان بنورها * كُهَّانُ وادي النيل والعُرفاءُ

  إيزيسُ ذات الملك حين توحَّدَتْ * أَخذت قِوامَ أُمورِها الـأَشياء

  لما دعوتَ الناسَ لبَّى عاقلٌ * وأَصمَّ مِنك الجاهلين نداءُ

  أَبَوْا الخروجَ إليك من أَوهامهم * والناسُ في أَوهامهم سُجناءُ

  ومن العقول جَداوِلٌ وجَلامِدٌ * ومن النفوس حرائرٌ وإماءُ

  داءُ الجماعةِ من أَرسطاليس لم * يُوصَف لـه حتى أَتيتَ دواءُ

  فرسمتَ بعدَك للعبادِ حكومةً * لا سُوقةٌ فيها ولا أُمراءُ

  اللـهُ فوقَ الخلق فيها وحدَهُ * والناسُ تحت لوائها أَكفاءُ

  والدِّينُ يُسْرٌ والخلافةُ بيعةٌ * والـأَمرُ شُورَى والحقوقُ قضاءُ

  الإشتراكيون أَنتَ إمامُهم * لولا دعاوي القوم والغُلَواءُ

  داويْتَ مُتَّئِداً وداوَوْا ظَفْرَةً * وأَخفُّ من بعض الدواءِ الداءُ

  الحربُ في حقٍّ لديك شريعةٌ * ومن السُّمومِ الناقعاتِ دواءُ

  والبِرُّ عندكَ ذِمَّةٌ وفريضةٌ * لا مِنَّةٌ ممنونةٌ وجَباءُ

  جاءَتْ فوحَّدَت الزكاةُ سبيلَه * حتى الْتقى الكرماءُ والبخلاءُ

  أَنصفتَ أهلَ الفقر من أهل الغنى * فالكلُّ في حقِّ الحياة سواءُ

  فلو أَنّ إنساناً تخيَّرَ مِلَّةً * ما اختار إلا دينَكَ الفقراءُ

  يا أَيُّها المُسرَى به شرفاً إلى * ما لا تنال الشمسُ والجوْزاءُ

  يتساءَلون ـ وأنتَ أَطهرُ هيكل ـ * بالروح أم بالـهيكل الإِسراءُ

  بهما سَموْتَ مُطَهَّرَيْن كلاهما * نورٌ وريحانِيَّة وبهاءُ

  فضلٌ عليكَ لذي الجلالِ ومِنَّةٌ * واللـهُ يفعل ما يرى ويشاءُ

  تغشى الغُيوبَ من العوالم كلَّما * طُويَتْ سماءٌ قُلِّدَتْكَ سماءُ

  في كل مِنطقةٍ حواشي نورها * نونٌ وأَنت النقطةُ الزهراءُ

  أَنت الجمالُ بها وأَنت المجتلى * والكفُّ والمِرآةُ والحسناءُ

  اللـهُ هَيَّأَ من حظيرةِ قُدسهنز * لاً لذاتك لم يَجُزْهُ علاءُ

  العرشُ تحتكَ سُدَّةً وقوائماً * ومناكبُ الروحِ الـأمينِ وِطاءُ

  والرُّسْلُ دون العرش لم يُؤذَنْ لـهمْ * حاشا لغيرك موعدٌ ولقاءُ

  الخيلُ تأْبى غيرَ أحمدَ حامياً * وبها إذا ذُكِر اسْمُه خُيَلاءُ

  شيخُ الفوارسِ يعلمون مكانَه * إن هَيَّجت آسادَها الـهَيْجَاءُ

  وإذا تَصدَّى للظُّبى فمُهنَّدٌ * أو للرّماح فَصَعْدَةٌ سمراءُ

  وإذا رمَى عن قوسِه فيمينُهُ * قَدَرٌ وما ترمي اليمينُ قضاءُ

  من كل داعي الحق هِمّة سيفِه * فلِسيفه في الراسيات مَضاءُ

  ساقي الجريح ومُطعمُ الـأَسرى * ومَنْ   أَمِنَت سَنابكَ خيلـهِ الـأَشلاءُ

  إنَّ الشجاعةَ في الرجال غلاظة * ما لم تزنها رأَفةٌ وسخاءُ

  والحرب من شرف الشعوب * فإن بَغَوْا   فالمجدُ مما يدَّعون براءُ

  والحربُ يبعثُها القويُّ تَجبُّراً * ويَنوءُ تحتَ بَلائِها الضُّعفاءُ

  كم من غَزاةٍ للرسول كريمةٍ * فيها رِضًى للحقِّ أو إعلاءُ

  كانت لجند اللـه فيها شِدَّةٌ * في إثْرِها للعالمين رخاءُ

  ضربوا الضلالَة ضربةً ذهبت بها * فعَلى الجهالةِ والضلالِ عَفاءُ

  دَعَموا على الحرب السلامَوطالما * حَقَنت دِماءً في الزمان دِمَاءُ

  الحقُّ عِرضُ اللـه كلُّ أَبيَّةٍ * بين النفوس حِمًى لـه وَوِقاءُ

  هل كان حولَ محمدٍ من قومه * إلا صَبِيٌّ واحد ونساءُ

  فدعا? فلبَّى في القبائل عُصبةٌ * مُستضعَفون قلائلٌ أَنضاءُ

  رَدُّوا ببأْس العزم عنه من الـأَذى * ما لا ترُدُّ الصخرةُ الصمّاءُ

  والحقُّ والإيمانُ إن صُبَّا على * برد ففيه كتِيبةٌ خرساءُ

  نسفوا بناءَ الشِّرك فهو خرائبٌ * واستأْصلوا الـأَصنامَ فهي هَباءُ

  يمشون تُغضِي الـأَرضُ منهم هيبةً * وبهم حِيالَ نعيمِها إغضاءُ

  حتى إذا فُتِحَتْ لـهم أَطرافُها * لم يُطْغِهِم تَرَفٌ ولا نَعْماءُ

  يا مَنْ لَهُ عِزُّ الشفاعةِ وَحدَهُ * وهُو المنَزَّهُ ما لـه شفعاءُ

  عرشُ القيامةِ أَنتَ تحت لوائه * والحوْضُ أَنتَ حِيالَهُ السَّقاءُ

  تروي وتسقي الصالحين ثوابَهم * والصالحاتُ ذخائرٌ وجزاءُ

  أَلمثل هذا ذُقتَ في الدنيا الطَّوَى * وانشق مِن خَلَقٍ عليكَ رداءُ

  لي في مديحك يا رسُولُ عرائسٌ * تُيِّمْنَ فيك وشاقَهنَّ جَلاءُ

  هُنَّ الحسانُ فإن قبلتَ تكرُّماً * فمُهورُهُنَّ شَفَاعَةٌ حَسناءُ

  أَنت الذي نَظمَ البريَّةَ دينُهُ * ماذا يَقول ويَنظم الشعراءُ

  المُصلِحون أصابعٌ جُمِعت يَداً * هي أَنت بَلْ أنت اليدُ البيضاءُ

  ما جئتُ بابكَ مادحاً بل داعياً * ومن المديح تضرُّعٌ ودُعاءُ

  أَدعوك عن قومي الضِّعافِ لـأَزمةٍ * في مثلـها يُلْقَى عليك رَجاءُ

  أَدرى رسُولُ اللَّهِ أن نفوسَهم * رَكِبَتْ هواها والقلوبَ هواءُ

  مُتفكِّكون فما تضمُّ نفوسَهم * ثِقَةٌ ولا جَمع القلوبَ صفاءُ

  رقدُوا وغرَّهُم نعيمٌ باطلٌ * ونعيمُ قومٍ في القيُود بلاءُ

  ظلمُوا شريعتَك التي نلنا بها * ما لم ينل في رومةَ الفقهاءُ

  مشتِ الحضارةُ في سَناها واهتدى * في الدِّين والدُّنيا بها السعداءُ

  صلى عليك اللـهُ ما صحِب الدُّجى * حادٍ وحَنَّت بالفلا وَجناءُ

  واستقبل الرِّضْوانَ في غُرفاتِهم * بجِنان عَدْنٍ آلُك السُّمحَاءُ

  خيرُ الوسائل مَنْ يقع منهُم على * سَبب إليك فحسبيَ الزَّهراءُ

**********

فِتيَةَ الوادي عَرَفْنا صَوْتكم * مَرْحباً بالطائرِ الشادِي الغَرِد

  هو صوتُ الحقِّ لم يَبْغِ ولم * يَحمِلِ الحقدَ ولم يُخْفِ الحَسَد

  وخلا من شهوةٍ ما خالطت * صالحاً من عملٍ إلا فسَد

  حَرَّك البلبلُ عِطفيْ رَبْوَةٍ * كان فيها البومُ بالـأَيْكِ انفرَد

  زَنْبَقُ المُدْن ورَيحانُ القُرَى * قام في كلِّ طريقٍ وقَعد

  باكِراً كالنَّحل في أَسرابها * كلُّ سِربٍ قد تلاقى واحتشد

  قد جَنى ما قلَّ من زهْر الرُّبا * ثم أَعطى بَدَل الزهر الشُّهُد

  بَسَط الكفَّ لمن صادفَه * ومَضى يَقْصُرُ خطْواً ويَمُدّ

  يجعلُ الـأَوطانَ أُغنِيَّتَه * ويُنادِي الناسَ: مَنْ جادَ وجَد

  كلَّما مرَّ ببابٍ دَقَّه  أَو رأَى * داراً على الدرب قصَد

**********

صَدَفْتُ عن الـأهْواءِ والحُرُّ يَصْدِفُ * وأَنْصَفْتُ مِنْ نَفْسي وذُو اللُّبِّ يُنْصِفُ

  فُرحْتُ وفي نَفْسي مِن اليَأْسِ صارِمٌ * وعُدتُ وفي صَدري من الحِلمِ مُصحَفُ

  كأنّ فؤادي إِبْرَةٌ قد تَمَغطَسَتْ * بحُبِّكَ أنَّى حُرِّفَتْ عنكَ تَعْطِفُ

  كأنّ يَراعي في مَديحِكَ ساجدٌ * مَدامِعه مِنْ خَشْيَةِ اللـه تَذْرِفُ

  كأنّكَ والآمالُ حَوْلَك حُوَّمٌ  نَمِيرٌ * على عِطْفَيْه طَيْرٌ تُرَفْرِفُ

  وأزْهَرَ في طِرْسي يَراعي وأَنْمُلي * ولَفْظي فباتَ الطِّرسُ يجْنى ويقْطُفُ

  وجَمَّعَ منْ أَنْوارِ مَدْحِكَ طاقَةً * يُطالِعُها طَرْفُ الرَّبيعِ فيُطْرَفُ

  تَهادَى بها الـأرْواحُ في كلِّ سُحْرَةٍ * وتَمْشي على وَجْهِ الرِّياضِ فتَعْرُفُ

  إِمامَ الـهُدَى إنِّي أَرَى القَوْمَ أَبْدَعُوا * لـهم بِدَعاً عنها الشَّريعَةُ تَعْزِفُ

  رَأَوْا في قُبُورِ المَيِّتين حَياتَهُمْ  فقامُوا * إلى تِلْك القُبور وطَوَّفُوا

  وباتُوا عليها جاثِمين كأنّهمْ * على صَنَمٍ للجاهِلِيّةِ عُكَّفُ

  فأَشْرِقْ على تِلْكَ النُّفُوسِ لَعَلَّها * تَرِقُّ إذا أشْرَقْتَ فيها وتَلْطُفُ

  فأنْتَ بِهِمْ كالشَّمْسِ بالبَحْرِ إنّها * تَرُدُّ الـأُجاجَ المِلْحَ عَذْباً فيُرْشَفُ

  كثيرُ الـأيادي حاضِرُ الصَّفْحِ مُنصِفٌ * كثيرُ الـأعادي غائِبُ الحِقْدِ مُشعِف

  لـه كلَّ يومٍ في رِضَى اللـهِ مَوْقِفٌ * وفي ساحَةِ الإحسانِ والبِرِّ مَوْقِفُ

  تَجَلَّى جمالُ الدِّينِ في نُورِ وَجْهِهِ * وأَشْرَقَ في أثْناءِ بُرْدَيْهِ أحْنَفُ

  رأيتُكَ في الإِفتاءِ لا تُغضِبُ الحِجا * كأنّك في الإِفتاءِ والعِلْمِ يوسف

  فأنتَ لـها إنْ قام في الشَّرْقِ مُرْجِفٌ * وأنتَ لـها إنْ قامَ في الغَرْبِ مُرْجِفُ

**********

حافظ ابراهيم

إنْ صَوَّرُوكَ فإنّمَا قد صَوَّرُوا * تاجَ الفَخارِ ومَطْلَعَ الـأنْوارِ

  أو نَقَّصُوكَ فإنّمَا قد نَقَّصُوا * دينَ النَّبيِّ محمّدِ المُختارِ

  سَخِرُوا مِن الفَضْلِ الذي أوتِيتَه * واللـهُ يَسْخَرُ مِنْهُمُ في النَّارِ

  لاتَجْزَعَنَّ فلَسْتَ أوّلَ ماجِدٍ * كَذَبَتْ عليه صَحائِفُ الفُجّارِ

  رَسَمُوا بذاتِكَ للنَّواظِرِ جَنَّةً * مَحْفُوفَةً بمَكارِهِ الـأشْعارِ

  وتَقَوَّلُوا عنكَ القَبيحَ وهكذا * يُمْنَى الكَريمُ بغارَةِ الـأشْرارِ

  لن يَحْجُبُوكَ عن الوَرَى أو يَحْجُبُوا * فَلَقَ الصَّباحِ ومَشْرِقَ الـأقْمَارِ

  أو يَبْلُغوا عَلْياكَ حتّى يَبْلُغوا * بينَ الزَّواهِرِ صُورَةَ الجَبّارِ

  ما أنتَ ذَيّاكَ البَغيضُ فتَنْثَني * مُتَسَرْبِلاً بالعارِ فوقَ العارِ

  لَعِبُوا به في صورةٍ قد أسْفَرَتْ * عن عَزْلِه فأقامَ حِلْسَ الدّارِ

**********

محمود سامي البارودي

هُوَ النَّبِيُّ الَّذي لَوْلاَ هِدَايَتُهُ * لَكانَ أَعْلَمُ مَنْ فِي الـأَرْضِ كَالـهَمَجِ

  أَنَا الَّذي بِتُّ مِنْ وَجْدِي بِرَوْضَتِهِ * أَحِنُّ شَوْقاً كَطَيْرِ الْبَانَةِ الْهَزِجِ

  هاجَتْ بذِكْرَاهُ نَفْسِي فاكتَسَتْ وَلَهاً * وأَيُّ صَبٍّ بذِكْرِ الشَّوْقِ لَمْ يَهِجِ

  فَمَا احْتِيَالِي" ونَفْسِي غَيْرُ صابِرَةٍ * عَلَى البِعَادِ وهَمِّي غَيْرُ مُنْفَرِجِ

  لا أَسْتَطِيعُ بَرَاحاً إِنْ هَمَمْتُ وَلاَ * أَقْوَى عَلَى دَفْعِ ما بالنَّفْسِ مِنْ حوَجِ

  لَوْ كانَ لِلْمَرْءِ حُكْمٌ في تَنَقُّلِهِ * ما كانَ إِلاَّ إِلَى مَغْناهُ مُنْعَرَجِي

  فَهَلْ إِلى صِلَةِ الآمالِ مِنْ سَبَبٍ" * أَمْ هَلْ إِلَى ضِيقَةِ الـأَحْزانِ مِنْ فَرَجِ"

  يا رَبِّ بالْمُصْطَفَى هَبْ لِي وَإِنْ * عَظُمَتْ  جَرائِمِي رحْمَةً تُغْنِي عَنِ الحُجَجِ

  ولا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي فإِنَّ يَدِي * مَغْلُولَةٌ وصَباحِي غَيْرُ مُنْبَلِجِ

  ما لي سِواكَ وأَنْتَ الْمُسْتعانُ إِذَا * ضَاقَ الزِّحامُ غَدَاةَ المَوْقِفِ الْحَرِجِ

  لم يَبْقَ لِي أَمَلٌ إِلاَّ إِلَيْك فَلاَ * تَقْطَعْ رَجائي فَقَدْ أَشْفَقْتُ مِنْ حَرَجِي

**********

هُمَامٌ أرانِي الدَّهْرَ فِي طَيِّ بُرْدِهِ * وَفَقَّهَنِي حَتَّى اتَّقَتْنِي الـأَمَاثِلُ

  أَخٌ حِينَ لاَ يَبْقَى أَخٌ وَمُجَامِلٌ * إِذَا قَلَّ عِنْدَ النَّائِبَاتِ الْمُجَامِلُ

  بَعِيدُ مَجَالِ الْفِكْرِ لَوْ خَالَ خِيْلَةً * أَرَاكَ بِظْهَرِ الْغَيْبِ مَا الدَّهْرُ فَاعِلُ

  طَرَحْتُ بَنِي الـأَيَّامِ لَمَّا عَرَفْتُهُ * وَمَا النَّاسُ عِنْدَ الْبَحْثِ إِلاَّ مَخَايِلُ

  فَلَوْ سَامَنِي مَا يُورِدُ النَّفْسَ حَتْفَهَا * لـأَوْرَدْتُهَا وَالْحُبُّ لِلنَّفْسِ قَاتِلُ

  فَلاَ بَرِحَتْ منِّي إِلَيْهِ تَحِيَّةٌ  تَنَاقَلُهَا * عَنِّي الضُّحَى وَالـأَصَائِلُ

  وَلاَ زَالَ غَضَّ الْعُمْرِ مُمْتَنِعَ الذُّرَا * مَرِيعَ الْفِنَا تُطْوَى إِلَيْهِ الْمَرَاحِلُ

**********

..فِي فِتْيَةٍ فَاضَ النَّعِيمُ عَلَيْهِمُ * وَنَمَاهُمُ التَّبْجِيلُ وَالإِعْظَامُ

  ذَهَبَتْ بِهِمْ شِيَمُ الْمُلُوكِ فَلَيْسَ فِي * تَلْعَابِهِمْ هَذَرٌ وَلاَ إِبْرَامُ

  لاَ يَنْطِقُونَ بِغَيْرِ آدَابِ الْهَوَى * سُمُحُ النُّفُوسِ عَلَى الْبَلاَءِ كِرَامُ

  مِنْ كُلِّ أَبْلَجَ يُسْتَضَاءُ بِنُورِهِ * كَالْبدْرِ جَلَّى صَفَحَتَيْهِ غَمَامُ

  سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لاَ يَسُوءُ جَلِيسَهُ * بَيْنَ الْمَقَامَةِ وَاضِحٌ بَسَّامُ

  مُتَوَاضِعٌ لِلْقَوْمِ تَحْسَبُ أَنَّهُ * مَوْلىً لَهُمْ فِي الدَّارِ وَهْوَ هُمَامُ

  تَتَقَاصَرُ الـأَفْهَامُ دُونَ فِعَالِهِ * وَتَسِيرُ تَحْتَ لِوَائِهِ الـأَقْوَامُ

**********

أَشَدْتَ بِذِكْري بَادِئاً وَمُعَقِّباً * وَأَمْسَكْتُ لَمْ أَهْمِسْ وَلَمْ أَتَكَلَّمِ

  وَمَا ذَاكَ ضَنّاً بِالْوِدَادِ عَلَى امْرِىءٍ * حَبَانِي بِهِ لَكِنْ تَهَيَّبْتُ مَقْدَمِي

  فَأَمَّا وَقَدْ حَق الْجَزَاءُ فَلَمْ أَكُنْ * لـأَنْطِقَ إِلاَّ بِالثَنَاءِ الْمُنَمْنَمِ

  وَكَيْفَ أَذودُ الْفَضْلَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ * وَأُنْكِرُ ضَوْءَ الشَّمْسِ بَعْدَ تَوَسُّمِ"

  وَأَنْتَ الَّذِي نَوَّهْتَ بِاسْمِي وَرِشْتَنِي * بِقَوْلٍ سَرَا عَنِّي قِنَاعَ التَّوَهُّمِ

  لَكَ السَّبْقُ دُونِي فِي الْفَضِيلَةِ فَاشْتَمِل * بِحُلَّتِهَا فَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ

  وَدُونَكَهَا ـ يَا بْنَ الْكِرَامِ ـ حَبِيرَةً * مِنَ النَّظْمِ سَدَّاهَا بِمَدْحِ الْعُلاَ فَمِي

**********

محمود غنيم

بغدادُ قرةُ عينِ الشرق بغدادُ * لحنٌ تغنَّى به الإسلامُ والضادُ

  الدهرُ يعرفها للكون عاصمةً * تقودُه كيفما شاءتْ فينقاد

  إن تبتسمْ تُشرقِ الدنيا وإن غَضبَتْ * ففي السمواتِ إبراقٌ وإرعاد

  تُزْهى الحواضرُ ما شاءَت بحاضرها * وكلُّها لكِ يا بغدادُ أولاد

  الغربُ يعرف ما أدَّى بنوك لـهُ * الكُتْبُ تنطق والـأقلامُ شُهَّاد

  بنى عمومة طهَ ما أقول لكم * وأنتمو لبني العباسِ أحفاد

**********

بابُ النَّبيِّ وبابُه لا يُقْفَل * أبداً هو الملكُ المعظَّم فيصل

  إنا لنُحْرِمُ في حماه وإنهُ * بدمائِنا ومَتَاعِنَا يتكفَّل

  شهدَ الحَجِيجُ بأنَّ دولةَ فيصلٍ * تَرْعَى الحجيجَ بأعينٍ لا تَغْفَل

**********

قُمْ حَيِّ فاتنةَ الجمالِ * بالشِّعْر كالسِّحْر الحلالِ

  حي الكويت وقل لـها: * يادرة بين الرمال

  يا وَاحةً قد خطَّها الـ * ـرِّحمنُ في وَسَط التِّلال

  جناتُ خُلْد في لظَى الـ * ـصَّحراء وارفةُ الظِّلال

  لم تَدْرِ ـ منْ تَرَف ـ حُدَا * ءَ النُّوقِ أو وَخْدَ الجمال

**********

جاءَتكُ مُطْرِقَةً من شدة الخَجَلِ * عذرا لـها إن تكن جاءَتْ على مَهَل!

  غدرا لـها أنها كانَتْ مُهَرْولَةً * لكن تكاثَرَت الـأَحجارُ في السُّبل

  إن كان قلبك لم يخفق لمَقْدَمها * فقلبها خافق من شدة الجذل

  أكْرِمْ بها في مجال الفخرِ جائزةً * قد نالـها بطلٌ مِنْ راحَتَيْ بطل!

  يا رافعاً راية الفصحى وباعِثَها * من وحشة البدْو في زاه من الحلل

  يا رُبَّ قُنْبُلَة من أحرف صُنِعَتْ * ألقَيْتَها غير هَيَّاب ولا وَكِل

  والقوم أفواههم في الحفل فاغرةٌ * وأنت أثبتُ وَسْطَ الحفل من جبل

  دعوت باللغة الفصحى إلى اللغة الْـ * ـفصحى فأَيَّدَت قولَ الحق بالعمل

  كأنما كان أوصاك الخليلُ على  تراثه * أو نمَاك الـأَسودُ الدؤُلى

  إذا الذي نشْنَأُ الفصحى وينكِرُهَا * يدعو على لغة القرآن بالشَّلَل



جميع حقوق النشر محفوظة لسجايا الشعراء ©2003

أما حقوق البرامج والقصائد والمعلومات فلإصحابها الأصليين